دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 16/4/2019 م , الساعة 5:45 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

انتصار الثورة السودانية الثالثة: حرية.. سلام.. عدالة

انتصار الثورة السودانية الثالثة: حرية.. سلام.. عدالة

بقلم : د. خالد التيجاني النور(كاتب وصحفي سوداني) ..

لم يكن حتى أكثر الناس تشاؤماً في حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان سيتداعى نظامه الذي دام ثلاثة عقود بهذه السهولة من داخله تحت ضغط الحراك الشعبي الذي قاده الشباب من الجنسين من الجيل الجديد الذي يمثل أغلب سكان البلاد الذي وُلد وتربى في حضن المشروع السلطوي للحركة الإسلامية السودانية الداعي إلى تحول حضاري، فانتهى به الأمر إلى تأسيس نظام شمولي تقليدي على غرار الكثير من الأنظمة في المنطقة، وكانت قمة المفارقة أن الحركة التي أسست أهم أعمدة إرثها السياسي على مقاومة الأنظمة العسكرية في السودان في عهدي عبود ونميري، وأسهمت في إسقاط النظام العسكري الأول بثورة شعبها في العام 1964 كان أبرز قادتها زعيمها حسن الترابي، انتهت مغامرتها بتأسيس نظام «الإنقاذ» بانقلاب عسكري في العام 1989 بقيادة عمر البشير، بأن تكون ضحية لثورة شعبية ضد النظام العسكري الثالث الذي صنعته.

فقد دخل السودانيون التاريخ من أوسع أبوابه الأسبوع الماضي حين توجت ثورتهم الثالثة بإسقاط نظام حكم عمر البشير العسكري الذي حكم البلاد على مدار السنوات الثلاثين الماضية، وهي بلا شك سابقة في العالم العربي، ولعلها كذلك في مناطق أخرى من العالم، أن ينجح شعب في خلال نصف قرن في تفجير ثلاث ثورات شعبية تنجح في إسقاط ثلاثة أنظمة عسكرية، بالتأكيد إنها أبعد من أن تكون من توابع موجة الربيع العربي إلى استدعاء رصيد تاريخي معلوم للشعب السوداني في مواجهة الأنظمة العسكرية مهما طال بقاؤه في السلطة.

يكاد التاريخ يكون كرّر نفسه في الثورات السودانية الثلاث، التي تبدأ عادة بحراك شعبي تأتي في طليعته النقابات المهنية، وتنخرط فيها فئات شعبية مختلفة، لا تلبث أن تلحق بها في مرحلة تالية القوى السياسية المعارضة، وتأتي اللحظة الحاسمة لإنهاء النظام الشمولي أما بضغوط مباشرة من داخل المؤسسة العسكرية تضغط على القيادة لكي تتخلى عن السلطة كما حدث في ثورة أكتوبر 1964، أو بإعلان قيادة الجيش انحيازها للحراك الثوري على غرار ما حدث في انتفاضة أبريل 1985 حين ترأس المشير عبد الرحمن سوار الدهب القائد العام للجيش فترة انتقالية لسنة واحدة أوفى في نهايتها بوعده بتسليم السلطة لحكومة منتخبة.

لم يختلف سيناريو الثورة السودانية الثالثة في عمومه من سيناريوهات الثورتين السابقتين إلا في بعض التفاصيل التي اقتضتها طبيعة النظام العسكري الثالث الذي بدأ أكثر أيدولوجية من سابقيه، حيث حاولت الحركة الإسلامية إعادة هندسة تركيبة مؤسسات الدولة والمجتمع بما فيها القوات المسلحة، وتغيير طبيعة النقابات التي ظلت تمثل رأس الرمح في قيادة معارضة الأنظمة الشمولية وتحريك الثورات ضدها، غير أن ذلك كله لم يغن شيئاً عن نظام «الإنقاذ» فعلى الرغم من أنه الحقبة الأطول عمراً في تاريخ الأنظمة التي حكمت السودان، وتكاد تهيمن على نصف سنوات العهد الوطني منذ الاستقلال التي بلغت ثلاثاً وستين عاماً، إلا أن ما ظن أنه أحرزه من نجاح في التمكين وبناء دولة عميقة، سرعان ما تبين أنه لم يغير من قدرة الشعب على فرض إرادته في نهاية المطاف.

تميزت الثورة السودانية الثالثة بغلبة العنصر الشبابي عليها، لا سيما المرأة التي شكلت حضوراً لافتاً في المشهد الثوري وفي تحريكه وتحقيق درجة من العنفوان أجبرت السلطات الأمنية لأول مرة في تاريخ السودان على استهدافهن بالاعتقال والضرب والتنكيل، غير أن ذلك أدى إلى نتائج عكسية، ففضلاً عن رفعه للغطاء الأخلاقي للنظام في مجتمع تتمتع فيه المرأة بمكانة واحترام، فقد أظهر قوة إرادة وإصرار من الشابات أسهم في صب المزيد من الوقود في رصيد الحراك الشبابي، الذي اتسم بصفة أخرى هي طول النفس، ففي الثورتين الأولى والثانية لم يكن الأمر يستغرق بضعة أيام من الاحتجاجات في ظل توفر معطيات معينة من تآكل النظام الداخلي حتى يسقط، غير أنها المرة الأولى التي تتواصل فيها الاحتجاجات لأكثر من أربعة أشهر، حتى أعجزت السلطات الأمنية مع كل وسائل العنف المفرط التي استخدمتها عن قمعها.

وعلى غرار ما حدث في الثورتين السابقتين فقد جاءت اللحظة الحاسمة أيضاً هذه المرة لتنهي النظام بتدخل مباشر من القوات المسلحة، حين أعلن وزير الدفاع الفريق عوض ابن عوف الذي عينه البشير قبل ستة أسابيع نائباً أول لرئيس الجمهورية، عقب إذاعة مارشات عسكرية توحي بحدوث انقلاب قرار اللجنة الأمنية العليا بعزل الرئيس السابق البشير، وتشكيل مجلس عسكري انتقالي برئاسته، غير أن الفرحة الشعبية الغامرة التي عمت قبل تقديم بيانه انقلبت على الفور إلى ثورة ثانية ترفض ما اعتبرته انقلاباً من داخل النظام، وليس انقلاباً عليه، يحاول الالتفاف على مطالب الثورة بإسقاط النظام السابق بكل رموزه، في مواجهة ظهور قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية الذين خدموا البشير كبديل له، ورافقت الضغوط الشعبية ضغوطاً من داخل المؤسسة العسكرية تطالب أيضاً بإبعاد هذه الشخصيات، ولم تمض إلا ثلاثون ساعة حتى اضطر الثلاثي الذين قادوا التحرك ضد البشير، وهم وزير الدفاع عوض ابن عوف، ورئيس الأركان كمال معروف، ومدير جهاز الأمن صلاح قوش على الاستقالة من مناصبهم وتسليم قيادة المجلس لرجل الثالث في هرم قيادة الجيش الفريق أول عبدالفتاح برهان، وقائد قوات العمل السريع الفريق أول محمد حمدان نائباً له.

وعلى الرغم من أن تدخل المؤسسة العسكرية أسهم في تحقيق هدف الحراك الشعبي بإسقاط النظام، إلا أن الأمور لا تبدو محل اتفاق بشأن مستقبل الأوضاع في السودان في ظل تباين المواقف بين العسكريين والقوى المدنية الأساسية التي أسهمت في إشعال الثورة، فالجيش الذي شكل مجلسًا عسكريًا انتقاليًا لتولي أعمال السيادة، تاركاً للقوى المدنية تأسيس حكومة مدنية لفترة انتقالية مدتها عامان، يواجه معارضة من القوى السياسية التي ترفض بعضها أي دور للجيش في إدارة الحكم، وتطالب بتشكيل مجلس سيادة مدني، فيما يطالب تجمع المهنيين القائد الحقيقي للحراك بتشكيل مجلس مختلط من العسكريين والمدنيين، وتشكيل حكومة مدنية بالكامل من تحالف قوى الحرية والتغيير.

ومع تحقق أحد أهداف الثورة بإسقاط نظام البشير، إلا أن أمام إقامة النظام البديل الديمقراطي الذي يحقق شعاراتها «حرية.. سلام.. وعدالة» سيكون طويلاً، وغير ممهد في ظل تعقيدات داخلية وخارجية تحيط بالسودان الخارج لتوه من عواقب وخيمة لسطوة نظام شمولي طال عمره ثلاثةعقود وخلّف الكثير من الآثار السلبية لسياساته التي أدخلته في أزمات سياسية واقتصادية وحروب أهلية متعددة، كان وحدة الهدف أقوى عوامل الثورة، ومع بروز التباينات في المواقف حيال الفترة الانتقالية وإداراتها، وبروز دور الجيش مجددًا، من الصعب التكهن بالسيناريوهات المقبلة في البلاد.

khalidtigani@gmail.com               

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .