دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 15/4/2019 م , الساعة 7:48 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

نتنياهو وخصومه في الانتخابات

نتنياهو وخصومه في الانتخابات

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

يروي الأديب اللبنانيّ الكبير أمين نخلة في كتابه (في الهواء الطلق) الحكاية التالية: «ذكرتُ لنجيب باشا الملحمة أيام هجر إسطنبول إلى بيروت، وكان في عنفوان شأنه وزيراً في الدولة العثمانية أيّام السلطان عبدالحميد، ثم وجد بعد ذلك من «الاتحاديين» غبّها، أنني رأيتُ في صوفر أوائل الحرب العالميّة الأولى، أنور باشا وجمال باشا المعروف بالسفاح، وأنني لمحتُ في الأوّل وداعةً تريد أن تظهر بمظهر الشكاسة، كما لمحتُ في الآخر شكاسةً تريد أن تظهر بمظهر الوداعة. فقال نجيب باشا: «قبّح الله الاثنين معاً فإنهما من مغارة واحدة» فحَلَت لي يومئذ هذه اللفظة (المغارة) في كلامه عن الرجلين كثيراً».

تذكرتُ هذه الحكاية لأمين نخلة وأنا أستمع إلى نتائج الانتخابات الإسرائيليّة التي كانت محتدمة بين نتنياهو والليكود من جهة، وبين حزب أزرق/ أبيض الذي تزعمه جنرالات ورؤساء أركان سابقون في الجيش الإسرائيليّ، ومع النتائج تحليلات عربية شتّى حول من هو الأفضل بينهما لصالح الفلسطينيين والمنطقة. وقد ذهبت هذه التحليلات بالطبع مذهب التمنّي بأن يكون تأليف الحكومة من نصيب حزب الجنرالات لا من نصيب نتنياهو الذي يمثّل في الذاكرة العربية نموذج المكروه أو الشرير. ولكني وأنا العارف بالسياسات الإسرائيليّة منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 إلى اليوم، لم أجد نفسي منحازاً إلى أحد الحزبَين الإسرائيليَّين المُتنافسَين، بل مردّداً كلمة نجيب باشا الملحمة في حكاية أمين نخلة: «قبّح الله الاثنين معاً، فإنهما من مغارة واحدة». وقد حلت لي هذه اللفظة (المغارة) كما حلت للأمين ووجدتها تعبّر بدقّة وأمانة لا عن جماعة الصراع الذي دار في إسرائيل بين «الأسود» والأزرق والأبيض» حديثاً، بل بين كل الذين تصارعوا وتعاقبوا على السلطة منذ أيام بن جوريون وصولاً إلى وقتنا الراهن.

لقد تصارعوا بالفعل فيما بينهم تحت مسميات مُختلفة، ولكنهم لم يكونوا مُختلفين في جوهر سياساتهم. مُستوطنون قدموا من شتى أنحاء العالم لزرع مستوطنة في أرض ليست لهم يقاومهم أهلها ولا يعترفون لهم بأي حقّ فيها، واليهود يعتبرون هؤلاء المُقاومين أعداء لهم ولا ينظرون إليهم إلا من فوهة البندقية. وعلى الرغم من أن إسرائيل عرفت وتعرف اليوم ما لا يحصى من الأحزاب الموزّعة يميناً ويساراً، فلم يختلف يوماً الحزب اليمينيّ عن الحزب اليساريّ إلا اختلافات بسيطة لا تؤثّر في الاتجاه العام. فقد حكم حزب العمل اليساريّ إسرائيل عشرات العقود ولم تختلف يساريّته في العمق عن يمينية الليكود أو يمينية سواه من الأحزاب الدينية أو غير الدينية.

ولكن الملاحظ أن السنوات الأخيرة شهدت انحساراً مطلقاً لحزب العمل الذي كان وراء تأسيس إسرائيل، ومزيداً من النفوذ للأحزاب اليمينية والدينية. فنتنياهو في السلطة منذ بضع عشرة سنة، وهو عائد إليها الآن. والصراع الحزبيّ لم يعد بين يسار ويمين، بل بين يمين ويمين أشدّ يمينية من الأوّل، ولهذا تفسيره بالطبع.

فالمستوطنة لا يستطيع أهلها أن يناموا إلا إذا كان الحارس فظّاً غليظ القلب صدّاعاً ومخيفاً ولا رحمة ولا إنسانيّة عنده. وهي صفات لا يمكن أن تتوفر اليوم في أي إسحق رابين أو في أي شيمون بيريز آخر كما تتوفّر في زعماء مستوطنين مثل نتنياهو وآخرين عملوا في الجيش ووصلوا إلى أعلى الرتب فيه. فهم الذين يطمئن إليهم المستوطن وينام ليلاً ملء جفونه. أما المنظّر من نوع بيريز الذي يتحدّث ولو نظرياً عن العدالة والحقوق، فقد أحاله اليهود إلى متحف التاريخ.

والواقع أنّ كل المُجتمعات الدينية أو المذهبية على شاكلة المُجتمع الإسرائيليّ لا ينجح في انتخاباتها سوى المُرشّحين اليمينيين أو غلاة المُتطرّفين. ففي الانتخابات اللبنانية الفوز معقود على الدوام للمُتطرّفين في طوائفهم ومذاهبهم لا لحملة الأفكار والقيم والمبادئ.

فهؤلاء قد يمنحهم أبناء هذه المُجتمعات احترامهم في مجالسهم وضمائرهم، ولكنّهم لا يمنحونهم أصواتهم في الانتخابات. وفي مُجتمع مثل المُجتمع الإسرائيليّ يعي أهلُه جيداً أن وجودَهم فوق تراب فلسطين وجود قلق ولا شرعية طبيعية له، وأن أيّ انفلات لحبل الأمن فيه سينهي هذا الوجود إلى الأبد، من غير المُمكن أن يوكلوا أمر حراستهم إلا لحرّاس من نوع «الأسود» و»الأزرق والأبيض» الذين أشرنا إليهم . فلا ألوان أُخرى قابلة للاستخدام في إسرائيل إلا هذه الألوان.

مجُتمع مُستوطنين لا مُجتمع مُواطنين مثل أي مُجتمع آخر في العالم، ودولة عنصرية متآخية مع خرافات، فهل ينتظر منها أن تنتخب سقراط وأفلاطون وأرسطو؟ وُجدت إسرائيل كمُستوطنة في أرض الغير وظلّت مُستوطنة منذ تأسيسها إلى اليوم، فهل يتوقّع المرء أن تتحوّل بين يوم وليلة إلى جمهورية فاضلة وأن يتنافس في انتخاباتها مُرشّحون من نوع المهاتما غاندي بطل اللاعنف في العصر الحديث؟ أم أن المتوقّع هو الذي حصل، أي مُنافسة بين رفاق ينتمون إلى «مغارة» واحدة؟                  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .