دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 22/4/2019 م , الساعة 3:34 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

«كنداكات» الثورة السودانية

«كنداكات» الثورة السودانية

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

وقفت المرأة السودانيّة في محراب الحرية تستشرف الآتي بعد أن تغلغل القهر على مدى ثلاثين عاماً في الأرواح، فعانت وتألّمت ثم حكت وأنشدت القصائد. ومن ضمن القصائد تلك التي تردّدت أصداؤها في كلّ ميادين الثورة في مدن السودان المُختلفة، وفي العاصمة الخرطوم بأحيائها من برّي إلى أمدرمان وشارع النيل ثم أخيراً ميدان مجمّع القيادة العامة للجيش التي كانت فيها بداية النهاية لحكم العهد البائد. أنشدها الشباب والرجال والنساء الكنداكات، وكان لآلاء صلاح، فضل انتشار القصيدة عربياً وعالمياً إذ لفتت الأنظار بطريقة أدائها وحماسها الفائق المُستلهم من كنداكات السودان وبنيه «وأنا جدي تهراقا، وحبوبتي كنداكة». كما كان لظهورها الأخّاذ في ثوبٍ سودانيٍّ ناصع البياض وأقراط ذهبية على شكل نصف القمر من التراث السوداني، أثرٌ كبيرٌ في لفت الأنظار وسلب الألباب.

ظهر الثوب السوداني الذي كان أحد سمات الثورة السودانية، معبّراً عن مخزون ثقافي مثلّث الأضلاع يتعانق فيه التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي متمثّلاً في قصص التراث الخاصة. وجاء التركيز على الثوب السوداني بلونه الأبيض في الثورة السودانية تعبيراً عن مساهمة المرأة العاملة في تنمية البلاد كموظفات في الدوائر الحكومية أو في الجامعات والطبيبات والمهندسات وفي القطاع الخاص وفي المصانع وغيرها. وقد ارتدت الثوب الأبيض من قبل الناشطات السياسيات أمثال فاطمة أحمد إبراهيم، وسعاد إبراهيم عيسى وغيرهما، وخرجت به متظاهرات عاملات في المصانع وموظفات ضد أنظمة ديكتاتورية سابقة وثّق لهنّ التاريخ كثورتَي أكتوبر 1964، وأبريل 1985. نجحت الثورة في استعادة الثوب السوداني بعدما اقترب من الاندثار بسبب سياسات حكومة العهد الماضي وسوء الأحوال المادية، فضلاً عن أنّه لا يعبّر عن جهة معينة وإنّما عن زيّ قومي سائد وموحّد لنساء السودان، فترتديه النساء بطرقٍ مُختلفة فمثلاً ترتديه المرأة الجنوبية وسط جسدها وعلى أحد كتفيها، كما تطوّق به المرأة الشمالية كامل جسدها وترتديه نساء شرق السودان على شكل الساري الهندي وفي كل هذا التنوّع جمال فائق ندر أن يوجد بين الثقافات الحديثة.

كان للمرأة السودانية إسهامٌ واضحٌ وفاعلٌ في الثورة التي انطلقت منذ 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018، وأدّت إلى تنحّي البشير يوم 11 أبريل/ نيسان 2019. تمثّل المرأة السودان الذي تنتمي إلى كل ركن فيه، لا غبار يشوب توجهها سوى للوطن، لم تدخل فصول السياسة إلّا لكونها مواطنة تحتلها جيوش من الأفكار، لا ثوبَ حزبياً يدثرها، يغشي الأعين عن النظر إلى ندوبها وجراحها الغائرة، لا تفر من سخرية الشارع وإنّما تتحمل خشونته بين أوراقها، لا تساندها بيانات حزب ولا تتوه بوصلتها الوطنية بين المواقف السياسية بعدت أم قربت عن موقع القرار. لم يكن دليلها المادي كما المعنوي سوى بصمات الخراب العاصف لطموحها ومشاريعها، امرأة بين طيات حلم طويل يقصره ويزيده انكماشاً اختزال الفرص المتاحة لصاحبات الولاء السياسي. انطلقت أفكار المرأة في الثورة كما المهرة الحرة، سمعها الكل وهي تتحدث وتغني ترانيم الأحلام المستحيلة في وطنٍ أكثر استحالة وتمثّل نفسها كإنسانة ومواطنة كاملة.

أصبح يُشار إلى المتظاهرات ضد نظام البشير باسم الكنداكات ومفردها «كنداكة» وهنّ الملكات النوبيات قديماً. فقد شكّلت المرأة السودانية، نواة أساسية في صناعة وجودها وتقدم مسيرتها منذ قرون ما قبل التاريخ. من الكنداكة أمانجي ريناس التي حكمت مملكة كوش من سنة 40 ق. م-10م، إلى مهيرة بنت عبود ورابحة الكنانية وغيرهنّ ممن أسهمن في العمل العسكري والسياسي إبان الثورة المهدية 1885م، مروراً برائدات العمل الوطني في القرن الماضي، وصولاً إلى المُساهمات والمُنافحات عن حقوق المرأة في عهد الإنقاذ، ثم المُتظاهرات ضد ذلك النظام.

ولهذا التقدير الكبير للمرأة إرثٌ تاريخيٌّ عظيمٌ، فعندما عرف المُجتمع السوداني القديم الزراعة جعل صلته مع الإلهة الأم التي كان يتصوّر المجتمع آنذاك أنّها جزء من الطبيعة فتمّ تقديسُها. فقد كانت الممالك السودانية القديمة مثل مملكة كوش القديمة (725 - 591 ق. م)، تخُصّ الأم بقدسية ومكانة عظيمة، مما يعكس دور المرأة ومركزها الذي لا يقلُّ عن دور الرجل الحاكم. وقد فرضت المملكة أن تلعب والدة الملك دوراً أساسياً في حكم البلاد، وإذا ماتت الملكة الأم أو «الكنداكة» وهي تعني الأم العظيمة، يتم اختيار امرأة أخرى من العائلة المالكة لتحلّ محلها مما يفسّر الدور الهام الذي كانت تقوم به المرأة في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية.

وبالرغم من الدور البارز للمرأة السودانية في الحياة العامة منذ عهود ما قبل التاريخ إلّا أنّ مركز المرأة تواضع فيما بعد خاصة بعد قيام دولة الفونج عام 1505م، وهي للمفارقة أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية. اتسم النظام الاجتماعي في تلك الدولة بملامح نظام شبه إقطاعي حصر المرأة في مجالين: إما أن تكون زوجة مهمتها الأساسية التسرية عن زوجها وتطوير قدراتها الجسدية لإرضائه وتقبّل نزواته العديدة أو أن تكون جارية تُباع وتُشترى.

بدأ وعي المرأة السودانية السياسي مبكراً، حيث شاركت المرأة في البرلمان وكانت فاطمة أحمد إبراهيم أول امرأة دخلت البرلمان عام 1964م بعد ثورة أكتوبر الشعبية التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود، وكانت هناك وزيرات في السبعينيات، وأول قاضية سودانية تقلَّدت منصبها كان في عام1969. لقد كسرت المرأة السودانية قيود الأمية والجهل والخرافة والعادات والتقاليد البالية منذ أكثر من نصف قرن، ووصلت إلى غاياتها في شتى المجالات وتدرجت في ارتقاء الوظائف العامة والقيادية في كل مجالات العمل فأثبتت جدارتها في ظل القوانين والدساتير وتشريعات العمل التي تساوى بينها وبين الرجل دون تمييز، بدءاً من دستور 1973م مروراً بالدستور الانتقالي 1985، وقانون التأمينات الاجتماعية سنة 1990م. وعلى الرغم من عدالة الدساتير والقوانين في نصوصها الأصلية إلّا أنّ حكومة الإنقاذ قامت بتعديلات عليها لتكريس إقصاء المرأة عن منصبها، وبهذا فقد ظهرت هذه الحقبة التي خفت فيها صوت المرأة السودانية وتراجعت ريادتها ودورها وكثرت معاناتها خلال سِنِيْ حكم الإنقاذ في الثلاثة عقود الأخيرة.

على الرغم من رسوخ مكاسب المرأة السودانية إلّا أنّ وضعها في عهد حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير، واجه تدنياً عبر مجموعة من أنماط السلوك، التي تسعى لإقصاء النساء عن دائرة العمل في مؤسّسات الدولة وتوزيع الفرص في هذه المؤسّسات حسب الولاء السياسي وعبر الانتماء إلى الحزب الحاكم. ولكن لو تلين الجبال فلم تلن عزيمة النساء السودانيات اللائي ما فتئن يواصلن نشاطهن للحفاظ على مكتسباتهن، والتقدم بخطىً ثابتة صوب الإسهام في ترسيخ دعائم مؤسسات المجتمع المدني، ومفاهيم حقوق الإنسان في السودان. وبفضل هذا السعي أوصلن السودان إلى مشارف عهد جديد.

توجّهت العقول والقلوب نحو ما حقّقته الكنداكات في الثورة السودانية، ولم تكن مِنّة ولا شفقة أن يأتي الحق مصوناً، ولكن كفّارة عن حقٍّ كان مأخوذاً بالقوة. وحين كان الكلّ ينتظر بأعينٍ يملؤُها الخوف من غضب الحاكم وسخطه وتسلّطه، خرجت الكنداكات لا يأبهن لسياط النظام التي ألهبت الظهور وألهبت حماسهنّ. فمن يستحقّ الحرية خرج ونالها، ومن يستحقّ أن ينعم بها هنّ المُتعطشات لرؤية وجهها، الحالمات بأن تحطّ رحالها في أرض السودان وتنال شرف القبول، ويبقى مشعلُها مُتوهجّاً إلى أزمانٍ قادمةٍ.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .