دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 25/4/2019 م , الساعة 5:05 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

استشراف أم إحباط؟

استشراف أم إحباط؟

بقلم : د. علي محمد فخرو (كاتب ومفكر بحريني)..

 لو حاول عالِم سياسة واجتماع استشراف مستقبل الأمة العربية في بداية القرن الواحد والعشرين لخرج بصورة ترجيحية قاتمة مليئة بالإحباط واليأس. آنذاك كان الاستبداد السياسي مهيمناً على كامل الأرض العربية، وكان الشعب العربي فاقداً للإرادة ومستسلماً لقدره البائس.

لو حاول نفس العالِم استشراف مستقبل العرب في بداية العقد الثاني من القرن الذي نعيش، عندما خرج الملايين إلى السّاحات العامّة وأسقطوا أنظمة دكتاتورية فاسدة خلال أيام معدودة، لخرج بصورة ملؤها الأمل والثّقة الكبيرة في المجتمعات المدنية العربية، وفي مقدّمتها شباب وشابات العرب الذين أبهروا العالم بأساليب نضالاتهم وبقدراتهم المبهرة في تجييش الملايين. آنذاك عادت العافية السياسية وقويت المشاعر والآمال.

لكن لو عاد ذلك العالِم وحاول الاستشراف بعد النكسات والفواجع والهزائم التي أوقفت الحراكات والثورات، حيثما اندلعت، وقادت إلى رجوع قوى جديدة مستبدّة فاسدة، خلال فترة قصيرة قياسية، لخرج مرّة أخرى بنفس الصورة الترجيحية الأولى المليئة بالإحباط واليأس.

اليوم، وبعد عودة الروح ويقظة الكرامة في الحراكات الجماهيرية الهادرة في القُطرين الجزائري والسوداني، ومع الاستنباطات التجديدية في وسائل النضال التي شهدتهما السّاحتان، ومرة أخرى أبهرت العالم، ترى ماذا سيقول عالِمنا السياسي الاجتماعي إذا حاول للمرة الرابعة استشراف مستقبل هذه الأمة القادرة على تفجير المفاجآت المبدعة؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما سبب هذا التأرجح في استنتاجات عالِم استشراف المستقبل؟ هل أن السّبب يكمن في عدم قدرة هذه الأمة على الثبات والصّبر والنفس الطويل في حياتها السياسية، أم أن السّبب يكمن في شيء آخر؟

أعتقد أن السبب يكمن في وجود نقاط ضعف في منهجية استشراف المستقبل. في مقدّمة تلك النقاط هي أن استشراف المستقبل يهتمّ بالدرجة الأولى بالأحداث الحسيّة والماديّة التي أمامه، وذلك دون الأخذ بعين الاعتبار بالظواهر غير المحسوسة والخفية في تاريخ الأمة وفي ثقافتها وفي وعيها لمعنى الحياة.

إن تلك النظرة المقتصرة علي ما يراه الإنسان ويحسّة تتولّد عنها نقاط ضعف أخرى. مثلاً، تجارب الأقطار العربية التاريخية في الساحات النضالية السياسية تختلف من قُطر إلى آخر. تجربة ونضج قُطر مثل الجزائر، قدّم أكثر من مليون شهيد في سبيل دحر الاستعمار الفرنسي، لا يمكن مقارنتها بتجربة ونضج قُطر لم يدخل مثل تلك التجربة. من هنا فإن تعميم تجربة وأوضاع قُطر عربي معيّن على كل أقطار الوطن العربي والخروج باستشراف مستقبلي واحد يمكن أن يؤدّي إلى أخطاء فادحة.

الأمر نفسه ينطبق على الاهتمام فقط بالإحصاءات الكميّة دون الانتباه إلى الجوانب الكيفية. فالكيفية التي يدار بها حراك جماهيري في قطر قد تختلف عن الكيفية التي يدار بها حراك جماهيري في قُطر آخر. هنا أيضاً تتأثر عمليّة الاستشراف إذا لم يؤخذ الاعتبار لهذا العامل.

ما يدعونا إلى التذكير بكل ذلك هو الجو التشاؤمي وفقدان الأمل الذي خيّم على كل الوطن العربي بمجرّد حدوث انتكاسات لبعض الحراكات الجماهيرية العربية ومطالبة شباب وشابات الأمة بالتوقف عن خوض محاولات نضالية جديدة، إذ سيكون مصيرها الفشل.

لكن ما يجري في الجزائر والسودان يثبت أن التعميم في استشراف المستقبل يجب أن يؤخذ به بحذر شديد للغاية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بثورات جماهيرية كبيرة، بالغة التعقيد بالنسبة لإمكانياتها الذاتية من جهة وبالنسبة لتشابكها بمصالح داخلية، هي الأخرى متشابكة مع الخارج، من جهة أخرى.

إذا أضفنا إلى كل ذلك ضخامة وسرعة التغيرات التي تعيشها المجتمعات العربية، لأسباب داخلية وخارجية، في حقول الحياة المعيشية الأساسية الضّاغطة ليل نهار على الفرد العربي، سندرك أن محاولة استشراف المستقبل التي يقوم بها كل من هبّ ودبّ، خصوصاً الانتهازيين من السّاسة والكتبة المأجورين، يجب أن تمحّص كل استنتاجاتها لفصل السمّ من العسل ولإبعاد الأمّة عن الشعور باليأس والقنوط الذي يريده البعض لها.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .