دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 29/4/2019 م , الساعة 3:36 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الممثل الكوميدي رئيساً للجمهورية

الممثل الكوميدي رئيساً للجمهورية

بقلم - جهاد فاضل:

خطف ممثل كوميدي أوكراني الأضواء عندما انتخبه شعبه مؤخّراً لا رئيساً لبلدية ولا نائباً في البرلمان بل رئيساً للجمهورية بلا أية مقدمات سوى تمثليه في إحدى المسرحيات الساخرة دور رئيس جمهورية. ويبدو أن أداءَه هذا الدور نال إعجاب الجمهور وعندما ترشح لاحقاً لمنصب الرئاسة فاز على خَصمه الرئيس الحالي بورشنكو بفارق كبير في الأصوات، وبذلك دخلت أوكرانيا مرحلة سياسية جديدة غير واضحة المعالم.

المراقبون في العالم استقبلوا فوز فولوديمير زيلينسكي وهذا هو اسمه استقبالاً مرحاً يليق بالممثل الكوميدي الذي اعتاد على نشر المرح في مسرحه. قال هؤلاء إن السياسة التي طالما عودت الناس على سياسيين يمثّلون على شعوبهم، ها هي تفاجأ اليوم «بالممثلين» يفتحون مسرح السياسة بدون سابق إنذار ويطردون أحد رموز الطبقة القديمة التي ملّ الناس من حكمها فلماذا لا تجرّب الشعوب الممثل الأصيل الذي يسخر من حكامه بعد أن جربت طويلاً السياسي الذي مثّل طويلاً على شعبه؟ إنّ كل ما فعله زيلينسكي هو أنه نقل مسرحه من شارع معين في كييف إلى كل أوكرانيا، وإذا كان النقد الذي ينصبّ على هذا الرئيس ينحصر بأنه ممثل كوميدي أو هزلي، فإن هذا النقد يجانب الصواب، ذلك أن الكوميديا هي غير التراجيديا التي تنشر الكآبة والحزن والتي دأب على نشرها في أوكرانيا أسلاف الرئيس الجديد، ثم إن الحياة نفسها تبدو في وجه من وجوهها نوعاً من الملهاة ، فما المانع في أن يؤكد زيلينسكي هذا الوجه فينشر المرح في بلاده بعد أن نشر الآخرون غيوم اليأس وانسداد الآفاق؟

ويبدو أن اختيار الأوكرانيين لرئيسهم الجديد القادم من عالم التمثيل يحمل احتجاجاً على طبقة سياسية فشلت في رسم خريطة طريق سوية لمُستقبل أوكرانيا.

لقد فشل الرئيس الأوكراني الذي انحاز بقوة لروسيا، ولم يسجّل نجاحاً الرئيس الآخر الذي ولّى وجهه شطر الغرب. وعانت أوكرانيا طويلاً من وضعها الجغرافي والسياسي القلق الواقع على الحدود بين روسيا وأوروبا وعندما التجأت إلى الغرب طالبة العون والحماية لم تجد في الغرب ما كانت تحلم به، وهكذا ظلت حائرة بين شرق يريدها أن تعود إلى بيت الطاعة كما كانت زمن الحقبة السوفييتية، وبين غرب لا يجد في سحنتها ملامحه الأوروبية كاملة، كما أنّه لا يهبها ما يهبه لدوله الأخرى ربما لشعوره بعجزه عن حمايتها، وهي الواقعة على حدود روسيا، وربما في قلبها، ويبدو أن اختيار الأوكرانيين لرئيسهم القادم من التمثيل يحمل معنى «الاستراحة» من عبء وضع غير قابل للحل تعانيه أوكرانيا، وكان أفضل من ينسيهم متاعبهم وينشر الابتسامة على وجوههم هو هذا الممثل الذي مثّل دور الرئيس في مسلسل تلفزيونيّ وأثار السخرية من بورشنكو وطبقته، فقالوا: ولماذا لا نجرّب الممثل الذي نشر المرح والضحك في نفوسنا وبيوتنا ونخذل خَصمه الذي لم نحصد منه ومن طبقته السياسيّة سوى الخيبة والخذلان؟

على أنّ مُراقبين كثيرين قالوا إنّ على زيلينسكي أن يقول الآن وداعاً للمسرح وأن يتقمّص شخصية الرئيس في واقعه ويومه، وليس لساعة أو ساعات على المسرح فقد راحت السكرة كما يقول المثل العاميّ وجاءت الفكرة، فصحيح أنّ الحياة مسرح وفي هذا المسرح تلعب الكوميديا دوراً بارزاً، ولكن عليه أن يترك ثياب التمثيل في الغرفة المُخصصة لها في مبنى المسرح، ليلبس ثياباً أخرى هي ثياب رئيس جمهورية أوكرانيا المُثقلة بهمومها الاقتصاديّة وبعلاقاتها المُتوتّرة مع جارتها روسيا وبأحلامها المجهضة مع دول الاتّحاد الأوروبيّ. ومع أنّ شعبه انتخبه استناداً إلى مرحه وجودة تمثيله إلا أنه سيجد نفسه مدعواً لمُفارقة المرح وتقمّص الأدوار واعتماد الرصانة والجدية، ذلك أن كل تصرُّف من تصرفاته، وكل كلمة يتفوّه بها، ستكون موضع تفسير ومُساءلة في الداخل كما في الخارج. إنه الآن رئيس جمهورية أوكرانيا وليس مُمثلاً كوميدياً في مسرح من مسارحها.

وعلينا أخيراً ألّا نستهين بكفاءة وقدرات المُمثلين إذا تبوّأوا مناصب عامة. ريجان الأمريكي انتخبه شعبه رئيساً لأمريكا وكان رئيساً ناجحاً بنظر كثيرين.

وفي اليونان القديمة كان للتمثيل مكانة عالية، وكان المُمثل موضع تقدير في المُجتمع الأثيني.

ولا شكّ أن المسرحية تختزن فكراً وخبرة وتقدّم تجارب إنسانية واجتماعية من شأنها أن تؤثّر في مُشاهدها وأن توجّهه. وعلى الرغم من تطوّر السينما في العصر الحديث، فإنّها لم تنتزع من المسرح دوره وإقبال الجمهور عليه. ففي لندن، وباريس، ونيويورك، وموسكو، وعواصم عالمية شتى، ما زال المسرح حياً وقوياً.

وها هو مسرح آخر في كييف بلغ من نجاحه واهتمام الناس به حدّ انتزاع أحد مُمثليه منه واختياره رئيساً للجمهوريّة في حدث آثار انتباه العالم واستدعى تحليلاً ودراسة، وفي ذلك عبرة للسياسيين التقليديين وإنذار لهم، ذلك أن السياسة في مفهومها القديم مهنة شريفة لأنّها تبتغي الخدمة العامة والمصالح العامة. وعندما يعجز السياسيّون عن الوفاء، بما للسياسة في ذمتهم من حقوق وواجبات، من حقّ السياسة أن تبحث عن جنود آخرين لخدمة أهدافها الجليلة. وهذا عَينُ ما فعله أهل كييف وسائر مدن وقُرى أوكرانيا.

 

كاتب لبناني

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .