دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 29/4/2019 م , الساعة 3:36 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

ليبيا.. متاهة التسوية السياسية والمواجهة العسكرية

ليبيا.. متاهة التسوية السياسية والمواجهة العسكرية

بقلم - منى عبد الفتاح:

بعد تردّد الإدارة الأمريكية حيال الأزمة الليبية التي تدعم فيها النشاط العسكري سرّاً وترفضه علناً، جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعم للهجوم العسكري على العاصمة الليبية طرابلس؛ قاطعاً الطريق أمام التكهنات بأنّه يمكن للإدارة الأمريكية أن تتخذ موقفاً باتجاه الحوار السياسي الذي تنادي به في مواقع أخرى من هذا العالم.

تشذّ ليبيا عن نماذج ثورات الربيع العربي بسبب تعقيد بُنية الدولة، وتشكّلات الانقسامات على مختلف أصعدتها السياسية والقبلية والجهوية والنخبوية. بالإضافة إلى انعكاسات التحالفات الإقليمية والدولية، وتدخلاتها في الشأن الليبي كلٌّ من منطلقات مصالحه الخاصة. هذه العوامل الداخلية والخارجية ساهمت في إطالة عمر الصراع العسكري طوال الثماني سنوات الماضية منذ اندلاع الثورة في 17 فبراير شباط 2011 وحتى الآن.

لم يكن الموقف الدولي موحّداً ضد التصعيد العسكري في ليبيا، بل ظلّ موقفاً غامضاً يدعو القوات المعتدية والمدافعة على حدٍّ سواء للتهدئة وضبط النفس. فقد أجهضت روسيا صدور بيان عن مجلس الأمن الدولي يدعو قوات حفتر لوقف عملياتها في طرابلس، على إثر رفض الولايات المتحدة مقترح التعديل الروسي. وكان الوفد الروسي في الأمم المتحدة قد طالب بتعديل صيغة البيان الرئاسي بحيث تصبح دعوة كل الأطراف الليبية المسلحة إلى وقف القتال، وليس فقط قوات حفتر. وبهذا تحوّل موقف روسيا أيضاً من الداعم الخفي لحفتر إلى العلن، ومن دور المراقِبة إلى الفاعلة. وقبلها لم يكتفِ حفتر بالرفض القاطع للمقترح الذي قدمه له الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، حول لقاء يجمعه مع رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج في جنيف في محاولة لاحتواء الأزمة والتطورات الأخيرة، وإنّما أعلن استمراره في عملياته العسكرية. فلم يكن غوتيريش الوحيد الذي فشل في إقناعه لتهدئة الأوضاع، يغادر ليبيا و»قلبه مثقل»، فالأزمة الليبية أثقلت قلوب المبعوثين الدوليين الذي مرّوا على ليبيا وآخرهم غسان سلامة، الذي لا يبدو أنّ بيده شيء سوى إبداء النصح للفرقاء داخلياً والشكوى من انقسام الموقف الدولي تجاه الأزمة الليبية.

ليس جديداً، الوجود الغربي في الأزمة الليبية كواقع ملازم لها منذ نشأة الدولة، فلهذا التدخل أساس تاريخي بُني على اعتبارات استراتيجية، منذ استقلال ليبيا في مطلع خمسينيات القرن الماضي وظلّت مسرحاً لهذا التدخل بحكم القرب الجغرافي. ذلك بالإضافة إلى وجودها في مقدمة الحزام النفطي المكون من السودان وليبيا والنيجر ونيجيريا. وكان الحائل بين الدول الطامعة وليبيا، وجود العقيد الراحل معمّر القذافي وسياساته الجريئة والمتخبّطة التي لا يمكن التنبؤ بها في حقل العلاقات الدولية. وبعد سقوط القذافي التفّت الولايات المتحدة حول بعثة الأمم المتحدة للدعم والوساطة التي تقوم بها بين الفرقاء الليبيين، والتي تمخض عنها توقيع اتفاق سياسي بمدينة الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر كانون الأول 2015. وتناسلت الاتفاقات تحت ذات الرعاة دون حلول على أرض الواقع. ثم نشأ عامل آخر عزّز من حجم التدخل الغربي وهو الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا ومحاربة الإرهاب والاتجار بالبشر، فتضافرت هذه العوامل المتنوعة ما بين اقتصادية وأمنية إنسانية وجيوسياسية.

يخشى المجتمع الدولي إجراء صفقة لتقاسم السلطة بين رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج والجنرال المنشق خليفة حفتر، أكثر من خشيته الوصول إلى نظام ديمقراطي عبر انتخابات حرة ونزيهة. لذا كان أول تصريح من مجموعة الدول السبع في بيانها الأخير إبان الأزمة أنّ منشآت النفط في ليبيا وإنتاجها وإيراداتها مملوكة للشعب الليبي وينبغي عدم استغلالها من أي طرف لتحقيق مكاسب سياسية. ويُعتبر ضمان تدفق النفط هو العامل الذي يربط بين هذه الدول وسباقها في أن يكون لكلٍّ منها دور في الشأن الليبي، بالإضافة إلى محاربة التنظيمات الإرهابية. ولكن عند الدخول في التفاصيل، نجد أنّ لكل دولة أجندتها التي تخدم هذين العاملين. فالولايات المتحدة، غضّت الطرف طويلاً عن جرائم حفتر رغم تحذيرات المنظمات الإنسانية، فعملت على تقويته ودعمه لاستلام الحكم كي يساهم في تطمين حلفاء أمريكا في المنطقة بألّا تنتقل إليهم عدوى الديمقراطية ونسائم الربيع العربي. وعندما أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، رفضه النشاط العسكري في ليبيا لحسم مسألة التنازع على السلطة فيه، داعياً إلى وقف إطلاق النار، عاجله ترامب بتأييده للحسم العسكري لإخراج البلاد من متاهتها. وهنا تكون الولايات المتحدة قد قطعت الطريق أمام الفرقاء وشتّتت الجهود التي بُذلت من أجل الوصول إلى حلٍّ سياسي.

أما إيطاليا فلا زالت تشعر بمسؤوليتها عن مستعمرتها السابقة، وما يمكن أن يجره الإرث التاريخي والواقع الجغرافي من زيادة مخاطر تدفق اللاجئين إليها. وهي بحكم متاخمتها لليبيا عبر البحر الأبيض المتوسط تُعتبر الدولة الأكثر تأثراً بما يمكن أن تفضي إليه حالة الانفلات والفوضى، كبوابة للمهاجرين القادمين من ليبيا وعبرها في طريقهم إلى أوروبا. ووفقاً لهذه العوامل سعت إيطاليا لتهدئة الأوضاع حتى لا يتأثر تدفق النفط والغاز الليبي الذي تعتمد عليه بشكل كبير.

وتقتسم الإرث التاريخي الاستعماري مع إيطاليا، فرنسا التي تنظر إلى عدم الاستقرار في جنوب ليبيا والتي كانت تقع ضمن مستعمراتها في شمال أفريقيا كمهدّد لاستثماراتها في منطقة الصحراء الكبرى. ولن تتردّد فرنسا في التدخل في الجنوب الليبي، فقد قادت من قبل حملة عسكرية عام 2013 ضد الجماعات المسلحة في شمال مالي لحماية شركاتها المستكشفة والمنقّبة عن النفط والذهب واليورانيوم هناك.

لم تكن كل هذه الحسابات غائبة عن الأطراف المتصارعة في ليبيا، ونتيجة لذلك استقوى كل منها بجهاتٍ دولية ضد الآخر وعلى حساب الشعب الليبي. وقد قام حفتر منذ المجيء به لقيادة جيش المعارضة لخبرته العسكرية، بتكوين جيش قوامه آلاف العسكريين، تدربوا على أسلوب حرب العصابات. وقد كان الدافع في عودته إلى ليبيا والمشاركة في الحرب ضد القذافي هو رغبته في الانتقام منه بسبب رفضه مساعدته في الحرب التشادية، ما أدى إلى أسره هو وآخرين ثم إقامته في أمريكا لعقدين من الزمن. ونتيجة لذلك تشكّلت عقيدة حفتر العسكرية على أن لا حل غير الخيار العسكري، لذلك عندما بدأ الحلّ السياسي يتراءى من بعيد ونودي إلى المؤتمر الوطني، نفض يده من الحوار ونقض الاتفاقيات العديدة الموقعة في العواصم الغربية والعربية. كان من المؤمّل أن يحمل هذا المؤتمر نتائج عديدة، ولكن أيّاً تكن فهي لن تلبي طموحات حفتر في الحصول على السلطة الكاملة التي لن تتحقّق له إلّا بإعلان الحرب وعسكرة الدولة.

يسعى حفتر إلى إرباك المشهد السياسي والضغط على صناع الرأي العام الليبي والدولي لإقناعهم بأنّ ليبيا لن ينجح معها مسار الانتقال الديمقراطي والمشروع المدني بل نظام عسكري ليدحر المجموعات الإرهابية. ولمواجهة هذه السياسة التي يتبعها فالمجتمع الدولي يتظاهر بالقلق على مدنية الدولة، ولكنه من وراء الكواليس يدعم حفتر لفرض نموذج عسكري. وهذا الطموح من طرف حفتر إذا ما نجح في تحقيقه، فسيؤدي إلى استعار النزاع المسلح بأعنف مما هو عليه الآن، فضلاً عن الانسداد السياسي الذي سيلازم ليبيا ولزمان قد يطول.

يبدو المشهد في ليبيا مُتجاذباً بين أطراف عديدة فضلاً عن اشتعاله. وبالرغم من أنّ الانقسام السياسي والصراع على الشرعية دفع بالنزاع العسكري إلى واجهة الأحداث، إلّا أنّ ذلك لم يكبح القوى الخارجية من فرض سطوتها على المشهد العام. وهذا يمكن أن يُبنى عليه مستقبل الصراع في ليبيا ومآلاته التي سوف تزيد من عملية الاستقطاب وسوف تدفع آبار نفط ليبيا فاتورة تجّار الحرب، ممن يناصرون أحد الطرفين في سبيل تأمين الحكم في حالة السراج أو نزعه كما في حالة حفتر.

 

كاتبة سودانية

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .