دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 4/4/2019 م , الساعة 5:06 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الموضوع الاقتصادي فكراً وقيماً

الموضوع الاقتصادي فكراً وقيماً

بقلم : د. علي محمد فخرو (كاتب ومفكر بحريني) ..

ما عاد موضوع الرأسمالية العولمية المتوحّشة، المحكومة إلى أبعد الحدود بفكر وثقافة الأيديولوجية النيولبرالية، موضوعاً أكاديمياً. فنتائج ممارساتها وتطبيق ادّعاءاتها أصبحت جزءاً من الواقع تعيشه الغالبية السّاحقة من البشر عبر العالم كلّه، بما فيه الوطن العربي وساكنوه.

بعض تلك النتائج تتمثّل في تدمير وتلويث للبيئة بصور متعاظمة، وفي ازدياد أعداد الفقراء والمهمّشين، بينما تتقلّص الطبقة الوسطى وتتركّز ثروات هائلة في يد طبقة غنيّة ضئيلة الحجم، وفي إعلانات متتالية لنهاية الحداثة والتاريخ والأيديولوجيات والدولة القومية والتعاضد المجتمعي، بينما تتصاعد بشكل مذهل الفردية الأنانية الاستهلاكية المنغلقة على نفسها في عوالم متخيلة من التواصل الاجتماعي الإلكتروني، وفي ازدياد أعداد العاطلين عن العمل وارتفاع جنوني لأسعار كل شيء معيشي أساسي، الأمر الذي أدّى إلى مظاهرات الجياع واليائسين والكافرين بالسياسة والسّياسيين، وفي تراجع واضح لصوت المثقفين الملتزمين، بينما ترتفع إلى عنان السماء أصوات الشّعبويين المتعصّبين الانتهازيين. المرعب هو أن المستقبل أصبح يتلخّص في مزيد من خيارات وتلوينات الحاضر ممّا يشيع اليأس من المستقبل.

هذا الوضع الكارثي يحتاج إلى مرجعيات فكرية وقيمية أخلاقية لتحليله ونقده نقداً موضوعياً وتقديم حلول معقولة واقعية شاملة غير مجزّأة غير متنافرة، وذلك للخروج من الجحيم المعيشي الاقتصادي، وبالتالي السياسي والاجتماعي والثقافي والرّوحي، الذي تعيشه الإنسانية حالياً.

من بين أهم تلك المرجعيات الفكر التحليلي النقدي الاشتراكي الماركسي، الذي يعدّ أهم وأشمل وأعمق نقد للرأسمالية فكراً ونهجاً وممارسة ونتائج. لنذكّر أنفسنا بأن هذه المدرسة هي التي أدركت حتمية التغيُّر الدائم لشكل الرأسمالية، بما فيه التنبُّؤ بمجيء العولمة الرأسمالية التي نراها أمامنا. في قلب ما نذكّر به أن الشعار في الماضي كان: إمّا الاشتراكية أو البربرية. أما اليوم فقد أصبح الشّعار الممارس هو: أن الرأسمالية مع البربرية تتعايشان بدون حرج.

كمقارنة، يستطيع مدّاحو الرأسمالية الإشارة بفخر إلى إنجازاتها التكنولوجية الهائلة وجوانب الرّخاء الماديّة والترفيهية الكثيرة في مدن العالم المتقدّم وبعض مدن العالم الثالث، ولكنهم في زخم هذه النشوة ينسون مقدار التراجعات والانتكاسات في التزامات دولة الرعاية الاجتماعية الديموقراطية التي جيئ بها بعد الحرب العالمية الثانية كحلّ وسط بين ثورية الفكر الاشتراكي ومحافظة الفكر اللبرالي الرأسمالي. وهم يتعامون عن رؤية الاندفاع الجنوني نحو خصخصة كل الخدمات والمكتسبات العامة، وذلك باسم تفوُّق كفاءة السوق على كفاءة سلطات الدولة.

لا أحد ينكر العديد من النّقاط الإيجابية في تاريخ الرأسمالية، لكن ألم تكن هناك نقاط إيجابية في بعض الأنظمة الاشتراكية. هل ننسى توفير السّكن المعقول الرخيص للملايين والطاقة الرخيصة والنقليات العامة شبه المجانية، ومساندة ونشر الثقافة والفنون الرفيعة المستوى، والاقتراب من حالة غياب البطالة المذلّة لإنسانية الإنسان وكرامته، والتشريعات الكثيرة للقضاء على مظاهر اللامساواة بسبب الجنس أو الأصول العرقية أو الانتماءات الطبقية؟

نعم، لقد حدثت تجاوزات كثيرة في مواضيع أساسية من مثل حقّ الملكية وممارسة الحريات العامة والشخصية، وضرورة التعددية السياسية والثقافية، والتزام بإدارة المجتمعات على أسس ديموقراطية عادلة، وغيرها كثير.

لكن كل ذلك كان خروجاً على المنطلقات الأساسية الإنسانية للفكر الاشتراكي، وكان تزمّتاً أيديولوجيا غير مبرّر.

فالكثير من المنظّرين الاشتراكيين، بمن فيهم ماركس، كانوا من أشدّ منتقدي الدوغمائية الأيديولوجية، وضدّ ممارسات الرّعب الأمني والقمع السياسي وتسلُّط الدولة غير القانوني وغير العادل. وكانوا يشدّدون على أهمية محاسبة المنتخبين من قبل المواطنين، وعلى ضرورة حرية التعبير والحريات المدنية، وعلى حق الفلاحين غير الراغبين في عدم الانضمام للملكيات التعاونية العامة، وعلى ضرورة وجود السوق، ولكن المقنّن المنضبط، حيث التنافس عادل، وعلى اقتصاد يجمع بين متطلبات السوق والتزامات الدولة، وعلى عدم تطبيق إجراءات اقتصادية كبيرة إلا بعد مناقشات عامة مقارنة بمختلف الخيارات، وعلى وجود انتخابات حرّة في مؤسسات المجتمع المدني، بما فيها النّقابات، وعلى استقلالية معقولة لمؤسسات الثقافة والفنون والإعلام، بحيث لا تخضع لسلطات الدولة من جهة ولا لسلطة المال من جهة أخرى.

ما سبق هو قطرة من بحر متلاطم من الأفكار التي طرحها مختلف المنظّرين الاشتراكيين. وهي تدلّ على أن حقلي الفكر الرأسمالي والاشتراكي قابلان للتطوير المستمر والمراجعة الدائمة وعلى ضرورة التوقّف عن ممارسة الدوغمائية في كليهما.

هل كل ذلك يشملنا، نحن العرب؟ بالطبع الجواب هو نعم، إذ لدينا تجاربنا الذاتية في حقلي الرأسمالية والاشتراكية، تجارب ناجحة وتجارب فاشلة، آن أوان مراجعتها والاستفادة من النقاشات الدائرة في كل العالم.

كما آن أوان الاستفادة العميقة العلمية من المحدّدات التي يزخر بها تراثنا العربي والإسلامي. ولقد كتب الكثير عن هذا الجانب، ممّا يستدعي العودة إلى عرض بعضه في المستقبل لتكتمل صورة المراجعة لتشمل الفكر الضابط للاقتصاد من جهة وللقيم الأخلاقية الضابطة من جهة أخرى.

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .