دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 8/4/2019 م , الساعة 4:56 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

المجاهدون في السلطة بوتفليقة نموذجاً

المجاهدون في السلطة بوتفليقة نموذجاً

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

في المرتين اللتين ظهر فيهما بوتفليقة على شاشة التلفزيون بعد عودته من رحلة استشفائه الأخيرة في سويسرا، بدا المجاهد القديم في منزلة بين المنزلتين، فلا هو من أبناء هذه الدنيا ولا هو من أبناء الدنيا الثانية. رجل يضع رِجلاً في الأولى ويهمّ في كل لحظة لوداعها ولولوج الأخرى. عينان زائغتان تحدّقان في مجهول ما، ولا تقولان شيئا لأنهما عاجزتان عن أي قول بسبب عطل داخلي طرأ على محركات الذات وحال بينها وبين عالم الإدراك والوعي والمعنى. في المرة الأولى بدا جليسه الأول قائد أركان الجيش الجزائري قايد صالح من خلال نظراته إلى بوتفليقة عالما كل العلم بوضعية الرئيس وكونه قد فني كإنسان فناءً تاماً.

كانت النظرات تحدّق بالرئيس ثم تنصرف وملامح الوجه تدل على ضيق بمشهد آن أن يُسدل عليه ستار. أما جليسه الثاني الأخضر الإبراهيمي فبدا وكأنه أُتي به على عجل بنية إسناد دور ما إليه ولكنه سرعان ما توارى هو ودوره في الظل وعاد أدراجه من حيث أتى أو أتوا به لأن الذين حرّكوه وحرّكوا الجزائر ذاتها في السنوات الست الأخيرة كانوا منصرفين لضبضبة أغراضهم وتحويل أموالهم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تبتلعهم الأحداث أو السجون.

قايد صالح رئيس الأركان يصفهم «بالعصابة» ولم يعترض أحد على الوصف لأنه يليق بهم كل اللياقة. فخلال السنوات الأخيرة كانوا هم الذين يتخذون قرارات الدولة ويتولون الأحكام، كما لو أنهم لجنة مركزية في حزب ثوري في حين أنهم مغتصبون للسلطة، يتولونها مكان رئيس يعيش في غيبوبة جسدية وروحية ونفسية. كان الرئيس غائباً ومغيباً معًا في حين كانوا هم في تمام الوعي والإدراك والترصّد، محرّكهم الحقيقي هو المال الفاسد وحده، والمال لا يُقدّر بالملايين وحدها بل بالمليارات. ويبدو أن الجزائر اعتادت على مثلهم من قبل. فقبل أكثر من ربع قرن نشرت الصحافة العالمية تحقيقات وافية عن «مليارات الجزائر الضائعة» أو المسروقة بين أوروبا وأمريكا اللاتينية. ويبدو أن «العين الساهرة» في الجزائر -أي الجيش- متنبهة لعدم إفلات العصابة، وعدد أفرادها تسعة عشر كما يقال، من العقاب بدليل أن أحد أفرادها البارزين قُبض عليه وهو يحاول الفرار إلى تونس، وبدليل آخر هو منع الطائرات الخاصة من الإقلاع والهبوط.

لعبارة «الجهاد» ، «المجاهدون» فعل السحر في الجزائر، فهي ترمز لأشخاص شاركوا في الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي ووصل بعضهم إلى السلطة وكان بوتفليقة آخرهم. ولكن تبين مع الوقت أن هذه العبارة لا تهب حاملها صكاً وطنياً على بياض لمجرد أنه حمل في يوم من الأيام بندقية وقاتل الفرنسيين. فالحكم ليس مغنماً أو مكافأة على تعب، وإنما هو استمرار لجهاد سابق وحياة تقشف وطهارة. وإذا كانت هذه المعاني قد افتقدها الجزائريون في السنوات الأخيرة بعد سيطرة العصابة على السلطة -على الخصوص- فإن بلدانا عربية كثيرة افتقدت هذه المعاني بعد وصول من كانوا يسمّون فيها بالمناضلين ضد الاستعمار، من هذه البلدان سوريا التي رُزئت بعد تحررّها من الاستعمار الفرنسي سنة 1945 بفئات حاكمة استغلت الحكم ونهبت المال العام رغم أنها رفعت قبل وصولها إلى السلطة شعارات كثيرة من العدالة والسهر على بناء دولة حديثة. ولو بحث أحدنا عن الأسباب الموجبة لقيام الانقلابات العسكرية في سوريا لتبين له أن من بينها فساد الحكم، الذي تربع عليه حكام وصلوا إليه وكل رأسمالهم بطاقات تقول إنهم ناضلوا ضد الاستعمار الفرنسي.

ومع أن كل ما في أفق الجزائر اليوم يوحي بأن بوتفليقة والعصابة كانوا آخر «المجاهدين» إلا أن هناك وعياً واضحاً لدى قادة الحراك الجماهيري بأن هناك جهادًا آخر، الجزائر مدعوة إليه وهو الجهاد لبناء دولة حديثة على غرار الدول الأوروبية الواقعة مقابلها في الضفة الأخرى من البحر المتوسط. دولة تُبنى على العلم والعقلانية والحرية وتطوي صفحة الجهاد والمجاهدين وآخرهم بوتفليقة لتحيلهم إلى الباحثين والمؤرخين من أجل معرفة ما الذي قدموه للتاريخ ولبلادهم بالفعل فالجهاد له معنى واحد اليوم هو العمل لدولة عصرية في الجزائر تمد اليد إلى جيرانها، المغاربة والتوانسة سعيًا لتأسيس المغرب العربي الكبير الواحد، وهو الحلم الذي راود مخيلة نخب مغاربية كثيرة وحالت دون تحقيقة قضية البوليساريو وموقف الجزائر المتصلب تجاهها والمأمول أن ينتصر المغرب والجزائر على هذه المشكلة وأن يعود الوئام إلى العلاقات بينهما ليتحقق حلم الوحدة المغاربية المنشودة.

على أن من السابق لأوانه القول إن الجزائر بطيها صفحة بوتفليقه قد حققت كل ما تبتغيه فالواقع أن الباب قد فتح أمام التغيير لا أكثر، وأن الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت على أنواعها. العالم كله يراقب بإعجاب ثورة الجزائر الحالية ويدعو لها بالنصر، والعرب سعداء لعودة الجزائر إلى الحياة بعد غياب طال عن أفريقيا وعن العرب والعالم.

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .