دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 9/4/2019 م , الساعة 4:56 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

دوّامة ترويج الوهم

دوّامة ترويج الوهم

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

تبتدئ صناعة وترويج الوهم بالتزييف الأيديولوجيّ والثقافيّ ولا تنتهي بالفساد السياسيّ. تلازمت هذه الظّاهرة مع الانحراف الخطير عن الالتزام بالقيم التي صيغت نظريّاً وطُبِّقت عمليّاً، فأصبحت الثّقافة الملتزمة تُقدَّم في قالبٍ لا علاقةَ له بالفكر ولا المنهج. وأصبح هذا التقديمُ المشوّهُ يُسيطرُ على المشهد الثقافيّ وينشطُ في خدمة أجندة أخرى سياسيّة أو اجتماعيّة أو أيديولوجيّة. ولهذه المدارسِ الناشطةِ في التزييف باعٌ طويلٌ أيضاً في الترويجِ للفساد السياسيّ، ويتبعها تلميعٌ وترويجٌ لبعض الطّامحين للزعامة، حتى تنطلي على الجمهور في الغالب زعامتُهم المُفترضةُ.

تتزاحمُ سيرةُ شخصياتٍ عامةٍ كثيرةٍ على الإعلام العربيّ بوسائله المُختلفة، لدرجة تضطرُكَ إلى التشدُّدِ في السّؤال عن دورها الحقيقيّ في الشأن العام. فهنا مسؤولٌ يتحدثُ باسم الشعب وهناك شخصيةٌ عامةٌ تشتكي من ظلم ذوي القُربى. أسئلةٌ كثيرةٌ تحتاجُ الإجابة عنْها إلى تأويلٍ يمكّنُ المتابعَ من رؤية الأشياء كما هي، لا كما يريدُ كثيرٌ من أصحاب الأسماء اللامعة الذين لا نعرف أدوارَهم الحقيقيّةَ، ولو كنا ندري تماماً أنهم يُؤدون أدواراً تمثيليةً تمّ العهدُ إليهم بها حتى تكتملَ الصورةُ والتشكيلةُ المعينةُ.

وهذا النموذجُ موجودٌ في كل زمانٍ ومكانٍ، ولكنّ الكاتبَ المصريَ وحيد الطويلة أعطاهم تشبيهاً محليّاً شعبيّاً هو فرقة حسب الله الشّهيرة. وليوضح لماذا أسبغ عليهم هذا التشبيه كتبَ أنَّ فرقة حسب الله هي القاسمُ المُشتركُ في الأفراح الشعبيّة وهو ما تكشفه الأفلامُ المصريةُ القديمةُ. وكانت قيمةُ أهل العريس تُقاسُ بعدد أعضاء الفرقة، وكلّما كثُر العددُ كانَ ذلك مدعاةً للفخر والنسب والحسب، ولما كان العازفون الحقيقيّون في الفرقة لا يتجاوزون أصابعَ اليدين، في أفضلِ الأحوال، فإنَّ المتعهدَ كان يلجأ إلى حيلةٍ بارعةٍ، إذ كان يذهبُ إلى المقاهي لينتقي منها العاطلين عن العمل، يقدّمُ لهم الملابسَ المعدةَ لأعضاء الفرقة، وكذلك يقدّمُ لهم الآلآتِ الموسيقيةَ، ويدخلون في الفرقة ويقومون بتمثيل أدوارهم، يمسكون على الأغلب آلات النفخ والطبل ويرتدون ملابسَ ملونةً مقاساتُها غيرُ مناسبةٍ لأجسامِهم. لا يعزفون شيئاً ولا يقدمون نغمةً لكنّ دورَهم أصبح أساسياً ومُعترفاً به، وكان الناس يعرفونهم ويقولون فلان لابس مزيكا، ليس موسيقيّاً، لكنه فقط يرتدي ملابسَها. ترى على كم من شخصياتنا العامة ينطبقُ هذا التشبيهُ ممن لا يقومون بأدوارٍ حقيقيةٍ وإنّما فقط لابسين مزيكا.

أما ترويجُ الوهم الاجتماعيّ فيمثّلُه في مجتمعاتنا العربية الترويجُ لعلوّ كعب قبيلة أو عرقٍ مُعين، على حساب بقية المنظومة الاجتماعية مما يشكّل خطراً مُدمّراً. وهو أشبه بالقنبلة الموقوتة التي تهزُّ التوازنَ الاجتماعيَّ، وتخلقُ النعراتِ الإثنيةَ، وقد تقود إلى حروبٍ تتغذى على الكراهية والعنصريّة بين أفراد الشّعب في البلدِ الواحدِ.

ولا يختلفُ التزييفُ في عمومياته عن تزويرِ العملاتِ واستغلالِ المالِ العامِّ، ولكن بدلاً من أن تتمّ المُحاسبةُ يُغطّى على الفاسدين بالترويج لمشاريعهم الهلامية من أجل مصالح وأطماع معاونيهم أيضاً. وهناك شركاتُ ترويج الاستثمار والثراء السريع عن طريق تداول العملات واللعب بالبيضة والحجر. وهذه الشركاتُ تتحركُ وَفْقَ خططٍ مدروسةٍ ومبرمجةٍ خصيصاً لإيهام النّاس بالاستثمار الآمنِ وجدواه المُتمثّلة في الأرباح والثراء، فيندفعون وَفْقاً لذلك باذلين أموالَهم وطاقاتِهم للاستثمار في هذا الوهم.

ولا تبعد حقيقة إيهام الدول المتعثّرة اقتصادياً بالاستدانة من المنظمات الدولية والإقليمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول الغنية وذلك بالترويج، إلى أنّ ديونها مُيسّرة وآمنة. وهناك أمثلةٌ عديدةٌ من دول العالم الثالث خاصةً إفريقيا الغنية بمواردها الطبيعيّة والفقيرة في مَقْدرَتِها على إدارة هذه الموارد لأسبابٍ يصعبُ سردُها هنا. الشاهدُ في الأمر أنَّ ما تعطيه الدولُ الغنيةُ من قروض باليمين، تأخذه بالشمال من ثروات هذه البلدان، وتظلُّ في هذه الدوامةِ من تجميد لمواردها وعدم استغلالها لمصلحتها، وفي نفس الوقت تتمادى في الاقتراض لتسيير أمورِها. ولا تكتفي هذه بالضرر الذي تسببه للاقتصاد، إنّما تروّجُ لنشر قيم وأفكار التزييف والتزوير بين الناس، فيتسّلقُ أولئك هذه الحدودَ الواهيةَ بين التزييف والارتزاق.

هذا النوعُ من الترويج يتمّ بخداعٍ عقليٍّ وبصريٍّ وسمعيٍّ، لكن الأدهى أنّ هناك ترويجاً يتجاوز مرحلة الحواسّ إلى ما في ظهْر الغيب الذي لا يعلمُهُ إلّا اللهُ. كنت أؤمن إيماناً منقطعَ النظير بأنّه لا أحدَ يستطيعُ التفوقَ على جهابذة الاستثمار الغيبي وَفْقَ الوهم العربي التي تسمح لفئاتها بالاستثمار في كل شيء لمصلحتهم الخاصة، حتى ولو كان ذاك النوع من الاستثمار على شاكلة بيع الهواء في قوارير.

ولّد الصراعَ الماثلَ أمامنا نوعٌ من مُثقّفي التزييف بمُختلف انتماءاتهم الأيديولوجية، وتقديمهم أنفسَهم أو زعماءَهم باسم منظومات دينية تروّجُ للإرهاب وضدّ المنظومات الفكريّة والقيمية الراسخة برموزها الحضارية. فعقيدةُ تنظيم داعش ومن قَبلِهِ تنظيم القاعدة تُعنى بهذا النوع من الاستثمار، تجاوز الاستثمار الدنيويّ إلى الاستثمار الآخرويّ الذي تمثّل في الزجّ بالشباب في أتون حروبهم التدميريّة والخراب الذي يلحقونه بكل بقعة يحلّون بها بتحريك جيوشهم ومجنديهم الظلاميين لتنفيذها. دفع أولئك حياتهم بمقابل معلوم تمّ تحديدُه لهم مُقدمّاً وذلك بالظفر بالحور العين، ولم يكن قادة هذه التنظيمات مؤمنين فعلاً بما يبثونه في عقول المراهقين، فلم نسمع بأحدهم سبقهم لنيل ما وعدهم به. وتذهب الآلة الإعلامية لهذه المنظومات إلى أبعد من ذلك فتأتي بصور من قُتلوا من منسوبيهم في الحروب والأعمال الانتحارية وهم مُبتسمون وكأنّهم يُلاقون الحور العين، وهنا تترسّخ الصورة الذهنية المرسومة بصحة ما يدعونه. ويتحول الدين بقوته الروحية الخارقة ومعانيه السامية إلى مسألة حسية وفي جانبٍ آخر أيديولوجية تسيء إلى المنظومات والمجتمعات الأخرى، بل ترفضها وتحاول إزالتها من الوجود.

وعلى هذا الأساس بنى تنظيم داعش وهم إقامة الخلافة في الدولة الإسلامية، ليحصل على أفراد مجتمع مقاتلين يتمّ تغذيتهم الروحية بالوعد السابق عن نيل الشهادة. هذا بالإضافة إلى الوسائل الأخرى من الإغراء بالمال وتحويل هؤلاء المؤلفة قلوبهم إلى محاربين، يحصلون على الأموال والأسلحة بالإغارة على القوات النظامية، وهنا يتمّ الترويج إلى الغزو وكسب الغنائم واقتسامها.

إنَّ التسليم بوجود الترويج لهذه الأوهام العديدة شيء وعدم مناقشتها أو الاعتراض عليها ورفع الصوت ضدها، شيءٌ آخر. فالضغط الهائل من المروجين للأوهام على كافة المُستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، يقف حائلاً دون كشفها مما يُساهم في ترسيخها في أذهان البسطاء. فالوقوف عند هذه الظاهرة التي تتلاعب بالسلوك والأخلاق بأشكال مُختلفة وفيها ما هو واضح للعيان وما هو مخفيّ، يثبت أنّ التغييرات السلبية التي تنتج عنها لا تأتي بشكلٍ عفوي، بل إنّها نتيجة لخُطوات مدروسة تسعى للسيطرة على الوعي وتشكيله عن طريق استخدام سلاح الترويج والدعاية. ولقد تنبّه لهذه المشكلة العديد من المُفكرين منذ سنوات طويلة، ولكن القلّة منهم من استطاع لفت النظر إليها وساهم في وضع مُقترحات لحلّها.

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .