دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 12/5/2019 م , الساعة 8:48 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

سحر الديمقراطية.. وكوارث الاستبداد !

سحر الديمقراطية.. وكوارث الاستبداد !

بقلم : طـــه خـلـيفـة (كاتب وصحفي مصري) ..

وصلاً لما كتبته هنا الأحد الماضي بشأن دروس الديمقراطية، وإفرازات صندوق الانتخاب التي تبدو غريبة أحياناً بفوز شخصيات لم يكن يُتوقع فوزها، أو مجرد تفكيرها في المنافسة على الحكم، والنموذج الذي تحدثنا عنه الممثل الكوميدي فلاديمير زيلينسكي(41عاماً) الفائز بانتخابات أوكرانيا على حساب الرئيس المنتهية ولايته بترو بوروشينكو، هناك نموذج آخر سابق عليه بأيام هو فوز المحامية زوزانا كابوتوفا (45 عاماً) برئاسة سلوفاكيا، وهي أول سيدة ستترأس هذا البلد، ويتركز اهتمامها على قضايا الفساد والبيئة والعدالة الاجتماعية، ولا يُعرف عنها انخراطها في العمل السياسي، وقد فازت على مرشح الحزب الحاكم. نحن أمام سحر الديمقراطية التي تنتج نماذج جديدة ليس معتاداً بروزها وفوزها كثيراً في الاستحقاقات الانتخابية فيما يشبه انقلاباً شعبياً ديمقراطياً سلمياً على القواعد السياسية التقليدية في إفراز نخب الحكم. سبق أوكرانيا وسلوفاكيا، نموذج مهم في فرنسا الدولة الكبرى عالمياً، حيث فاز الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون بالرئاسة في مايو 2017، وكان عمره 39 عاماً آنذاك، وخبرته السياسية لا تُقارن بمنافسيه، ولم يكن مرشحاً عن حزب كبير، إنما أسس حركة شعبية اسمها «إلى الأمام»، والتف حوله الجمهور الذي يسعى للتغيير والتجديد، وبالحركة التي اتسعت اكتسح الرئاسة، والبرلمان، وأطاح بوجوه ثقيلة تاريخية، كما أسقط أحزاباً كبرى. وقبل ماكرون حقق ترامب ما يشبه المفاجأة المذهلة مرتين في أمريكا، الأولى تمثلت في هزيمة كل مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية للرئاسة 2016، وفي الثانية فاز على منافسته الديمقراطية المخضرمة هيلاري كلينتون، وهو انتصار لا يزال مجال تحليل لفك ألغازه، فلم يكن متوقعاً حدوثه، فهو رجل أعمال، وتاجر عقارات، ولم يكن مشتبكاً مع الحياة السياسية أو البرلمانية، وهو خارج عائلات السياسة التقليدية، وليس عضواً في منظومة واشنطن صانعة الرؤساء والمشرعين والقادة السياسيين.

إفرازات الديمقراطية المدهشة تعني أن الناخب يميل للتغيير وتجريب كل ما هو جديد، فهناك ما يشبه الملل من الوجوه والأحزاب وأنظمة الحكم التقليدية، ومن التداول المعتاد للحكم بين أحزاب رئيسية معروفة، وبين ساسة وشخصيات تسيطر على المجال العام، ورغم عدم ضمان الأداء الجيد لنوعية الحكام القادمين من سياقات أخرى غير متعارف عليها إلا أن رسوخ ضلعين مهمين في البناء السياسي للدولة في العالم الحر كفيل بالتصحيح، وهما: الديمقراطية، والوعي الشعبي. هذان الضلعان يقومان بعلاج إفرازات الصندوق عندما تنحرف عن المسار السليم، فالعملية الانتخابية ليست لمرة واحدة، ثم يظل الشعب يعاني أمام صدمة اختياره المفاجئ، إنما متكررة وفي مواعيد انتخابية منتظمة تتيح للجمهور تعديل ما انحرف وجبر ما انكسر، بل تظهر الإشارات الحمراء تباعاً خلال ممارسة الحكم إذا كان هناك خلل ما، ولدينا ماكرون الذي انتفض الفرنسيون مبكراً ضد سياساته المرهقة للفقراء والطبقة الوسطى، حيث قادوا احتجاجات «السترات الصفراء» التي أجبرته على التراجع عن بعض السياسات، وهي جرس إنذار بأن مستقبل رئاسته على المحك، وفي أمريكا تشير نتائج الاستطلاعات إلى تراجع شعبية ترامب، ولولا نجاحه الاقتصادي وتوفير الوظائف وتقليل البطالة لكانت فرصه في انتخابات 2020 شبه معدومة.

وفوز زيلينسكي في أوكرانيا يعكس إخفاق الرئيس بوروشينكو في تنفيذ وعوده بمحاربة الفساد وتنشيط الاقتصاد واستعادة الاستقرار والوحدة في البلاد ووضع حد للحرب الأهلية في الشرق والتصدي لروسيا التي تهدد استقرار البلد، وفي سلوفاكيا كانت محاربة الفساد الطريق المفتوح للمحامية زوزانا للإطاحة بمرشح الحزب الحاكم، الناخب عاقب من أخفق في البلدين، وجاء بمن يتوسم فيه علاج الفشل.

الصورة مختلفة تماماً في البلدان التي تعادي أنظمتها المستبدة النهج الديمقراطي، وتقاوم التغيير عبر التداول السلمي للسلطة، لهذا تبقى شعوبها تحت رحمة الحاكم الفرد بكل ما قد يكون في تكوينه الشخصي والسياسي والفكري والذهني من خلل في الرؤى، وهنا تدفع الأوطان والشعوب أثماناً قد تكون باهظة لحكم مطلق، يصعب زحزحته أو تغييره. في الديمقراطية يجوز أن تقذف الصناديق بحاكم غير سوي لقدرته على خداع الناخبين في لحظة من الزمن، لكن وجود مؤسسات دولة حقيقية مستقلة تمارس صلاحيتها وتراقب وتحاسب الحاكم، وتملك الصلاحيات القانونية لطرده من المنصب أو محاكمته إذا انتهك القانون أو الدستور يمثل ضمانة راسخة للحيلولة دون إساءة استخدام السلطة. أما في الاستبداد وحكم الفرد والسلطويات فلا ضمانات لمنع إساءة إدارة الحكم، ولا مؤسسات تردع فساد السياسة، فالحاكم ليس ديمقراطياً حتى لو جاء بانتخابات فهي شكلية لا تتوفر لها معايير الانتخابات الحقيقية، وهو يدخل الحكم ولا يغادره، ويتفنن في البقاء عبر التمكن من مفاصل السلطة وتوجيهها لخدمته، وتعمل الحاشية وجماعات المصالح وأهل النفاق المحيطون به والمنتفعون منه على مساعدته في فرض سطوته، ويتم تهيئة البيئة السياسية والعامة لاستمراريته بكل وسائل الترهيب والتضليل والخداع.

مثل هؤلاء الحكام كانوا يغادرون كراسيهم بالوفاة الطبيعية، أو الانقلابات العسكرية، أو الاغتيالات، واليوم تُضاف وسيلة جديدة، وهي إسقاطهم عبر الانتفاضات الشعبية كما حصل في ست دول عربية خلال موجتين للربيع العربي (تونس، مصر، ليبيا، اليمن، الجزائر، السودان) والسابعة في سوريا وحاكمها في وارد المنتهي سياسياً وشعبياً وأخلاقياً حتى لو كان لا يزال يحمل صفة رئيس. لم تجد الديمقراطية تربتها النظيفة في الأرض العربية بعد، حتى يأتي ويذهب الحاكم عبر الصندوق، فيدخل القصر بإرادة شعبية شرعية، ويخرج منه بكرامة، ويعيش وسط مواطنيه باحترام واعتزاز مثل العالم الحر غرباً وشرقاً.

مهما كانت أخطاء الديمقراطية فإنها لا تُقارن بخطأ واحد هامشي للاستبداد، وأخطاؤها دروس تستفيد منها المجتمعات المتحضرة في مسيرتها، وبالمقابل ممارسات الديكتاتورية كوارث، ولا يتم الاستفادة منها حيث لا يجري الاعتراف بها من الأصل، بل قد يصل الجنون إلى حد تحويلها لإنجازات تاريخية!.

                   

tmyal66@hotmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .