دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 14/5/2019 م , الساعة 5:06 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الدور «العسكري» من وسيط عابر إلى شريك فاعل

الدور «العسكري» من وسيط عابر إلى شريك فاعل

بقلم : د. خالد التيجاني النور(كاتب وصحفي سوداني) ..

لا تزال الساحة السودانية تمور بتفاعلات شتى وتدافع محموم في سباق بين الفاعلين في المسرح السياسي لرسم ملامح وترتيبات فترة الانتقال بداية من مهمة تصفية تركة النظام المنهار، وبين وضع أسس لنظام سياسي جديد يمهّد لإجراء انتخابات في نهاية الفترة الانتقالية ليتخذ الشعب قراره في نظام الحكم الذي يريده ومن يضع فيه الثقة ليتولى إدارة أمره، ومع وضوح الهدف المطلوب إلا أن هذه العملية المفترض أنها الفريضة الغائبة، تجري بتعثر وسط تناقضات وتباينات في مواقف وأهداف الأطراف الفاعلة وتحيط بها الكثير من التعقيدات بفعل تداخل عوامل وأجندة متنافسة محلية وإقليمية ودولية، مما يلقي بظلاله على مجمل مستقبل البلاد في المدى المنظور.

والسؤال الكبير الذي بات يشغل بال كل السودانيين، وربما يثير أيضاً مخاوف الكثيرين من أن السلمية التي تميّزت بها الثورة السودانية الثالثة قد لا تُستدام، لماذا يستمر العجز عن التوصل إلى توافق على الحد الأدنى بين شتى القوى الفاعلة في المسرح السياسي لإنهاء حالة الفراغ الراهنة في هياكل الحكم الضرورية التي باتت نذرها تنبئ بأن ستخلّف عواقب وخيمة على الاستقرار وتماسك الدولة، في وقت يتواصل فيه الجدل غير المنتج بين أطراف المعادلة الراهنة، لا سيما المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، اللذان دخلا نفق حوار على نسق الباب الدوار في حلقة مفرغة، تنتهي لتعود إلى النقطة ذاتها التي ابتدأت منها، في لعبة مناورات بين الطرفين لكسب الصراع على تولي مقاليد السلطة الحقيقية في إدارة الفترة الانتقالية.

لا شك أن المعادلة التي تولت إغلاق الصفحة الأخيرة للنظام السابق، التي لم ترو حكايتها كاملة بعد، هي التي تشكّل عصبة توازن القوى الراهن بين المجلس العسكري وقوى الحرية والعدالة، ومن واقع الاعتراف المتبادل من الطرفين كل بدور الآخر، وهي مسألة فرضتها معطيات توازن الأمر الواقع، أو قد تكون فرضتها معطيات أخرى مما تسير به تحليلات عديد من المراقبين التي تتحدث عن أجندة خارجية تلعب على هندسة المشهد على هذا النحو لإيجاد معادلة دور عسكري – مدني مختلط.

وبدا غريباً أن المجلس العسكري لم يبذل أي جهد للنأي بنفسه أو نفي تجاوبه مع «توجهات خارجية» ترغب في استمراره وتدعمه حظوظه في هذا الاتجاه، ومن جهة أخرى لم يعد في باب الأسرار تجاوب أطراف مهمة في قوى الحرية والتغيير، لا سيما في تحالف نداء السودان، أبدت استعدادها للتعاطي مع انشغالات هذا «البعد الخارجي»، في حين ترفض أطراف أخرى مهمة أيضاً في قوى الحرية والتغيير الانخراط في هذه اللعبة، ومن هنا تتضح عملية خلط الأوراق الجارية في كواليس الاتصالات بين المجلس العسكري وأطراف قوى الحرية والتغيير.

والسؤال المطروح بإلحاح على هذه الخلفية، هل يسعى المجلس العسكري الانتقالي فعلاً كما وعد في يومه الأول بتسليم السلطة كاملة للمدنيين في أول سانحة؟ أم أن أجندته قد تغيرت مع مرور أيام الشهر المنصرم تبدّلت فيها المعطيات والمعادلات؟. ومن جهة أخرى هل تريد قوى الحرية والتغيير تسلم السلطة مدنية خالصة من العسكريين دون أية مشاركة لهم، أم أن الأمر باتت تختلف فيه المواقف بحسب تباين مواقف أطرافه؟.

لا شك أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر منذ إسقاط النظام السابق على خلفية المد الشبابي الثوري الهادر وتضحياته الجسيمة، ودخول المؤسسة العسكرية على الخط، فقد حدثت تطورات عديدة تشير إلى أن أجندة أطراف توازن القوة الراهن اختلفت بالفعل عما كانت عليه في ذلك اليوم، هذه الأجندة الجديدة المتحولة هي بالضبط تلك التي ترسم هذه الحالة الضبابية الراهنة، بكل تعقيداتها ومآلاتها المستقبلية.

متابعة وقراءة مواقف الطرفين خلال الشهر المنصرم تشير إلى حدوث تحولات مهمة في مواقفهما، فالمجلس العسكري الذي ولد على عجل بغير سابق تدبير في غالب الروايات، وبغير خريطة طريق واضحة المعالم لمهمته سوى تعهدات ذات طابع عام، كان الطرف الأكثر استجابة للتحديات التي واجهته بداية من الإطاحة برئيسه السابق.

الشاهد أن المجلس العسكري حرص على تقديم تنازلات تبعده عن شبهة كونه استمرارًا للنظام السابق «الإنقاذ 2»، وتوارت فكرة أنه يمثل ما كان يُعرف بـ «بالمنظومة الأمنية» في بداية أمره، غيرأن هذه التنازلات التي قدمها لم تكن مجاناً، فقد رافق ذلك انتقاله من مربع أن يكون مجرد «فاعل خير» يقوم بعملية استلام من نظام سابق، وتسليم لنظام جديد سداته قوى الحرية والتغيير، وانتقل بالتالي من دور الوسيط العابر إلى دور الشريك الفاعل في إدارة الفترة الانتقالية، ووافق على الانتقال من صيغة «المجلس العسكري» الصرف إلى المجلس السيادي المختلط مع مشاركة مدنية بشرط أن تكون له اليد العليا، وأن يكون لهذا المجلس صلاحيات رئيس الجمهورية في نظام رئاسي، وليس صلاحيات رئاسية رمزية كما معهود في النظم البرلمانية.

وبناءً على هذا التطوّر في موقف المجلس العسكري، فقد حدث تحوّل استراتيجي في طبيعة التفاوض بين المجلس وقوى الحرية والتغيير التي اعتقدت أن قبولها بمشاركة رمزية للعسكريين في المجلس السيادي ستكون كافية لإرضائهم، لتكتشف أنها ربما وقعت ضحية «حسن نيّة» عندما تخلّت عن مطلب الرفض القاطع لأي مشاركة للعسكريين في إدارة الفترة الانتقالية، وهو المطلب الذي ظل يجاهر به بشكل قاطع الحزب الشيوعي السوداني.

ولعل ما شجع المجلس العسكري للانتقال من مربع الوسيط العارض إلى لعب دور الشريك الكامل في إدارة الفترة الانتقالية أنه حظي بدعم خارجي قوي، تحت لافتة الحفاظ على الأمن والاستقرار، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل كذلك من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التي تغلّف مطالبها للمجلس العسكري بتعبير مبهم بتسليم السلطة للمدنيين، أي بتشكيل حكومة مدنية ذات صلاحيات، دون أن تدخل في معممة الجدل حول المجلس السيادي ودوره، وقد ظهرت الأجندة الغربية واضحة في وثيقة الوساطة القومية التي ركزّت على مسألتي التعاون في مكافحة الإرهاب ومكافحة الهجرة غير الشرعية التي تشكل عماد الأجندة الغربية التي خدمها لها النظام السابق. وفي ظل هذه التحولات يجد مفاوضو قوى الحرية والتغيير أنفسهم محاصرين بتباين أجندة بعض الأطراف التي يمثلونها لا سيما تلك التي تبدو مستعدة للمضي في اتجاه إبرام صفقة ما مع المجلس العسكري يدور همس حولها وراء الكواليس، كما يواجهون من جهة أخرى ضغوط ميدان الاعتصام المتمسك بمواقف وشعارات ونقاء الحالة الثورية، في وقت يجد المعتصمين أنفسهم خارج دائرة معادلة توازنات التفاوض السياسي التي تبدلت معطياتها، ويبقى السؤال الكبير كيف تستطيع قوى الحرية والتغيير التكيّف وإلى أي مدى مع هذه الأجندة المتحوّلة للمجلس العسكري.

                   

khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .