دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 13/5/2019 م , الساعة 5:32 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

عوالم النوستالجيا

عوالم النوستالجيا

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

من أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي في بكائية محمود درويش، إلى الحنين إلى الزمن الماضي في جيشان مشاعر الأجيال على امتداد أعمارها. ثم من الحنين إلى الهياكل القديمة في الأدب والفن والتكوينات السياسية والاجتماعية؛ يصدر الحنين كصدى احتجاجي على ما هو قائم.

يبرز سؤال على قدر كبير من الأهمية، عن سرّ هذا الانجذاب بعيداً عن نمط المقولة التقليدية: «من ليس لديه قديم، ليس لديه جديد». وهذه المقولة نمطية وترويحية إلى مدى بعيد، ومع أنّه لا ينبغي تعميمها لأنّ بعض المجتمعات أو الكيانات التي نشأت من عدم، وأثبتت نجاحها لم يكن لديها في الأصل ذاك القديم الذي يمكن الارتكاز عليه، فإنّ الشعور بالإرث العاطفي يمثّل حجر أساس لهذه العملية.

وكمثال لذلك نجد أنّه من أغرب تناقضات الأسماء في عالم العطور أنّ العطر الذي يتصف بكمية كبيرة من الحنين، سمّاه صانعوه كازانوفا. وتم تصدير هذا العطر بخيره المتمثّل في رائحته الجميلة السالبة للأفئدة، وشرّ سيرة صاحبه جياكومو كازانوفا العاشق والمغامر الإيطالي، وأشهر زير نساء عبر التاريخ إلى شرقنا المسكين الغني بعوده وعنبره وكافوره حتى أصبح يتربّع على عرش العطور النسائية الأكثر طلباً.

الفرق بين صانع العطور الغربي والشرقي أنّ الأوّل يستطيع تجسيد الفوارق العميقة بين المدن وتاريخها، فيخلط شذى باريس بعبير البندقية، في استثمار واضح لتداعيات التعبير عبر حاسة الشم عن أماكن وأزمنة مختلفة، لم يكن مستهلكاً اليوم ضمن صنّاع قصصها. هذه الحاسة لا تكتفي بالنقل العصبي المتفق بعقده الأزلي مع المخ ولكن تنقل أيضاً صوراً خلابة تمتزج فيها الحقيقة بالأسطورة لجياكومو كازانوفا المولود في فينيسيا الإيطالية والذي لم تنته حياته فعلياً عام 1798م ولا بكتابة مذكراته في باريس. فذلك الساحر لا يزال يخلق الإثارة من قبره، حيث تمت طباعة مذكراته أكثر من مرة إلى أن وصلت مخطوطتها الأصلية التي اشترتها فرنسا قبل أربع سنوات من عائلة ألمانية إلى أكثر من سبعة ملايين يورو. وغير القيمة التاريخية لهذه المذكرات المكتوبة بخط يد كازانوفا فإنّها ذات قيمة أدبية رفيعة جاء تفصيلها في مؤلف للفرنسي فيليب سولير بعنوان «كازانوفا الرائع» ووصفه فيها بأنّه: «بسيط، مباشر، شجاع، مثقف، فاتن، مضحك، إنّه فيلسوف قيد الحركة والفعل». بينما حكى كازانوفا عن تجربته في الكتابة بقوله: «الكتابة بحد ذاتها ذات طابع شيطاني ومن ينكبّ النهار بطوله على الكتابة إنّما يقوم بعمل سحري».

أما إذا نظرنا إلى قيمة الحنين الكامنة عند شخصيات عربية تاريخية تشابه كازانوفا في رهافة المشاعر وتخالفه في السلوك، فنجد ما جاء به الشعراء قديماً خير مثال. والشعراء من أكثر الشخصيات المعنية حظّاً لأنّهم قاموا بتدوين ما أحسوه ونظّموه. ويبرّر البعض لظهور ذلك الحنين وسط حياة قاسية بأنّ الرحلات العربية في الماضي ومشقتها من ناحية بدنية ونفسية هي التي خلقت ارتباط العرب بديارهم وأهلهم. فجاءت تلك المعاني الفنية الصادرة من القلب إلى قلب المتلقي مباشرة خالقةً رابطةً روحية بينهما.

وموضوع الحنين في تلك القصص المحكية شعراً تفيض فيها روح قائلها كما المتلقي بأحاسيس شوق وحب وحرمان يخرج فناً جميلاً ومؤثراً. ومعظم قصائد الحنين ذات الدلالات لا تدخل بالضرورة في باب الغزل بقدر ما تتلاءم مع الحنين إلى الوطن، حتى ولو بث الشاعر شوقه لمحبوبته عن طريق وطنه أو العكس.

ترى كم من الجمال سيكون لو أنّ العطور الشرقية خلّدت سيرة مثل هذا الشاعر أو ذاك، للتذكير فقط بأنّ بثّ الحنين كان بسبب رغبة في تحرر المشاعر من أسرها حتى في حدود ذلك الزمان. فماذا لو كان ابن الدُمينة أو قيس بن الملوّح أو عنترة بن شدّاد أو جميل بثينة، قوارير عطور تستوعب الذائقة العربية الكلاسيكية في ميلها لاستنطاق القصيدة مع العطر.

هذا فيما يتعلق بالجانب العاطفي، أمّا في الجانب السياسي فإنّ الحنين إلى الماضي يكون إلى قوالب التكوينات السياسية مثل هياكل الأنظمة سواء أكانت للدولة الواحدة أو إلى النظام الدولي بأجمعه. وسبب ذلك الشعور القلِق هو تغيّر قواعد السلوك الدولي، ويساعد على ذلك التقدّم التكنولوجي الذي نمّى قوى وسلطات أخرى فاعلة مثل الإعلام، أو تطوير صناعات وقطاعات اقتصادية أصبحت تحرّك مسار الدول، وتتدخل في القرارات المهمة.

ففي أمريكا يحاول دونالد ترامب إعادة نهج أسلافه المبني على نظام الاستعباد والتفرقة العنصرية، ضارباً بالمُثل والقيم الديمقراطية عرض الحائط. حتى إنّ معارضي نهجه وهم غالب المجتمع الأمريكي المتشرّب بالديمقراطية وأخلاقيات الحقوق، يستحيون من الأفعال التي يأتي بها ولا يمكن فصلها بأي حالٍ من الأحوال عن كونه رئيس أعظم دولة في العالم. أما النُخب الأمريكية من المفكرين ورجال السياسة فقد صدعوا بكلمتهم بأنّ ترامب يقضي على الأخلاق التي نشأت عليها بلدهم وأنّه يدمّر إرث «الأمة». أما إدارته فهي على النقيض من هؤلاء، إذ تبدو تحركاتها في مجال السياسة الخارجية هي عبارة عن لعب على حبل المصالح وتقييد للقوى الاقتصادية الناشئة وفرض الرسوم الجمركية لتكبيل اقتصاد الدول مثلما فعلت مع الصين مؤخراً.

أمّا في روسيا فيخرج فلاديمير بوتين بثوب القيصر، ثمّ يتقدّم قليلاً ليبسط هيمنته بما كانت تعمل به القوى العظمى في القرن التاسع عشر، فامتد نفوذه إلى سوريا، تحلّق طائراته في سمائها، وتتحرك أذرعه نحو ليبيا وينشط في مجلس الأمن لإفشال الأصوات المنادية بوقف النزاعات وإحلال السلام ثم يعيث في الأجواء العربية انقساماً سياسياً خطيراً.

أما أكبر ممارسي سياسة الحنين إلى الماضي فهي الأنظمة العربية، فالنُظم الديكتاتورية ترى في الماضي الديمقراطي حلّاً لأزماتها، والنُظم الديمقراطية لا تلبث إلّا قليلاً في التغيير حتى تعود سيرتها الأولى. والفكرة العامة لسير هذه النُظم ليس بتحري أيهما أنفع ولكن بالنزوع نحو الماضي أيّاً كان شكله ليكون مخلّصاً لمشاكل كثيرة لم تنجح الشعوب العربية في اكتشاف علّتها الأساسية وهي أفكار هذه الشعوب التي تحتاج إلى الكثير من التغيير والتحسين.

وعن الجماعات الإرهابية فقد ذهب تنظيم داعش على خطى تنظيم القاعدة وزاد عليه بأن خرج من هذه الأفكار المسيطرة في العقود الفائتة ولم يجد إلّا العودة إلى القرون الوسطى، وباسم الدين وبتزييف نصوصه وشرعه ادّعى أنّ ما يحقّقه من فوضى وفساد واستعباد للبشر ومصادرة لحياة الآخرين، هي دولة الخلافة. ولا تنطفئ نيران التنظيم في بقعة من العالم إلّا وتشتعل في أخرى، يمكن الاستدلال عليها بمقدار الخراب والدمار الذي يحقّقه مما يهيئ بيئة خصبة لنشاطاته الإجرامية.

إذن المسألة تتعلق بالجانب النفسي أكثر منها بالجانب الواقعي، إذ يمثّل الحنين إلى الماضي شكلاً هروبياً من مظاهر البؤس والاضطرابات المستشرية في واقع اليوم. ولكن الحقيقة الناصعة هي أنّ النظر إلى الوراء لا يحقّق لنا ما نريد؛ لأنّ لا أحد على تمام التأكد من أنّ الأشياء كانت في الماضي على الشكل الذي يتم تصويره وتغليفه على النحو المراد.

الأمر أشبه بأحلام اليقظة، غير أنّ الأحلام للمستقبل والحنين إلى الماضي، وكلٌّ منهما هو أشياء يُتمنى تحقيقها أو استعادتها. ففي أحلام اليقظة يضع الشخص القالب الذي يريد والحلم الذي يتمناه بالشكل الذي يريد، بغض النظر عن معقولية الحلم، وفي الحنين أيضاً يتم بعض التزييف للماضي حتى يبدو استرجاعه منطقياً. وفي الشكلين إعاقة تامة من مواجهة التحديات الواقعية، وإيجاد حلول للأزمات القائمة.                  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .