دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 20/5/2019 م , الساعة 5:49 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الإمام عبدالحميد بن باديس

الإمام عبدالحميد بن باديس

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

ليس اسم الإمام عبدالحميد بن باديس معروفاً بما فيه الكفاية في المشرق العربي، ولذلك تساءل الكثيرون ممن يكون «باديس» في الشعار الذي رفعه الجزائريون في حراكهم الجماهيري الأخير: «نحن أبناء باديس لا أبناء باريس»، جاعلين منه المقابل الوطني لدعاة التغريب في الجزائر ولدعاة التأثر بالموقف الفرنسي في أحداث الجزائر الحالية.

والواقع أن اسم بن باديس اسم لصيق بالوجدان الجزائري ومرادف للوطنية والإصلاح. بل هو أكثر من ذلك، فهو الأب الروحي للثورة الجزائرية وملهمها والممهد لها قبل اندلاعها في الخمسينيات من القرن الماضي، وهو صاحب البيت الشهير الذي أعطى الجزائر هويتها وبوصلتها: «شعبُ الجزائر مسلم، وإلى العروبة ينتسبُ» وكان ذلك في أوج المشروع الاستعماري لفرنسة الجزائر. وبهذا البيت الخالد الذي تحول مع سائر أبيات قصيدته إلى نشيد وطني للجزائر لاحقاً، يعطي بن باديس تفسيراً للهوية والعلاقة بين الإسلام كعقيدة وشريعة، وبين العروبة كرابطة ثقافية وحضارية.

وعن دعوة فرنسا إلى تجنيس النخبة الجزائرية والضغط عليها وإغرائها للتخلي من الأحوال الشخصية الإسلامية بدمجهم في المنظومة المسيحية الفرنسية، ثار بن باديس بوجه هذه الدعوة وحاربها بكل شجاعة فكتب يقول: «إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت».

ولم يكن نضاله في سبيل استقلال الجزائر منفصلاً عن نضال آخر هو نضال الرقي بالجزائر والدعوة إلى تحديثها وتمتين علاقتها بالعصر، فكتب مرة يخاطب المواطن الجزائري: «كن عصرياً في فكرك وفي عملك وفي تمدنك ورقيك.. كن صادقاً في معاملاتك بقولك وفعلك. كن ابن وقتلك تسير مع العصر الذي آلت فيه بما يناسبه من أسباب الحياة وطرق المعاشرة والتعادل».

من هذه النصوص التي نقلناها لابن باديس يبدو الإمام غير منعزل عما كان يمور في العالم، وفي العالم العربي على الخصوص من تيارات ومشاريع تدعو للنهوض والتقدم. فقد تأثر في رحلة له إلى الحجاز في العشرينيات من القرن الماضي بالفكرة القومية العربية التي كانت سائدة لدى النخب العربية المشرقية يومها، وبعدها زار بلاد الشام وعاد إلى الجزائر عن طريق القاهرة التي كانت يومها قلب العالم العربي وعاصمته الثقافية. وهي رحلة ثقافية شكلت محطة رئيسية في مساره الفكري إذ جمع بعدها بين قيم مختلفة. فهو وإن كان من أسرة أمازيغية، عربي قومي يدعو للوحدة العربية، وهو مسلم مستنير يدعو إلى فهم عصري للإسلام ويكتب الأبحاث الطوال في تفسير القرآن وفي جوانب كثيرة من تاريخ الإسلام. وقد قرأت له مرة كتاباً يقول فيه إن العصر الجاهلي عصر مظلوم عربياً، وإن أحداً لم ينصفه كما أنصفه الإسلام وبخاصة القرآن الكريم. ففيه آيات كثيرة تحكي عن حضارة باذخة كانت تظلله.

والواقع أن الإرث الفكري الذي تركه بن باديس لا يقل أهمية عن الإرث النضالي في سيرته، ولكن هذين الإرثين مع الأسف غير معروفين إلا قليلاً سواء في الشمال الإفريقي أو في الشرق العربي.

ابن قسنطينة التي ولد فيها سنة 1899 وترعرع في أحضان أسرة عريقة في الجاه والمال والعلم والوطنية وسليل أجداد علماء، ودرس في مدارسها قبل أن يتابع تعليمه في جامع الزيتونة في تونس، ويدرّس (بتشديد الراء) فيهما لاحقاً ويبني لنفسه مجداً علمياً بين طلبته وأساتذته الذين فتنوا بمواهبه وعندما عاد إلى الجزائر بدأ بالتدريس في الجامع الأعظم في مدينته قسنطينه مهتدياً بالإسلام الذي يدعو إلى اكتساب العلم والمعرفة، وإعداد القوة والتسلح بها، لأن المسلم القوي كما كان يقول، أفضل من المسلم الضعيف. لقد ترك المسلمون قبله، وفي زمانه، الأخذ بأسباب القوة والعلم، فسقطوا في يد الأقوى منهم، فتعرضوا للغزو والاستعباد، وأصبحوا أداة في خدمة مصالح الاستعمار.

الإمام عبدالحميد بن باديس من أكرم الوجوه التي عرفتها الحركة الإسلامية والوطنية العربية في القرن العشرين، وعندما يذكر اسمه يعبق في النفس أريج وعطر بيهان بأريج الزهر وعطره في مواسم الربيع النضرة ودارس سيرته وقارئ إرثه الفكري يجد صلة وصل بينه وبين حركة الإصلاح التي قامت في مصر والمشرق وكان من أركانها الأفعاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشكيب إرسلان.

فقد كان يملك فكراً إسلامياً عميقاً وثقافة متينة وسيطرة تامة على زمام اللغة العربية التي أمست غريبة بين أهلها زمن الاستعمار الفرنسي، كان للإمام فكر إصلاحي تجديدي وثوري معاً. استمد ثوريته من الأفغاني، وتأثر بإصلاح محمد عبده في المجالين التربوي والديني ولا يبالغ المرء إذا اعتبره من أولئك الذين يجدون دينهم بين وقت وآخر ويقودون أمتهم في المنعرجات الصعبة من تاريخها.

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .