دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 21/5/2019 م , الساعة 5:14 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الثورة الشبابية تختبر المفاوضات المدنية - العسكرية

الثورة الشبابية تختبر المفاوضات المدنية - العسكرية

بقلم : د. خالد التيجاني النور(كاتب وصحفي سوداني) ..

ربما لم يكن أكثر دعاة التغيير الثوري في السودان تشاؤماً يتوقع أن يطول الجدل حول تأسيس هياكل السلطة لإدارة الفترة الانتقالية كل هذه المدة، فقد كان أغلب الظن أن مجرد سقوط النظام السابق بكل أعمدته ورموزه ستجعل الطريق سالكاً أمام الانصراف إلى المهمة الأكبر، الاتفاق على أجندة وترتيبات وهياكل الانتقال من النظام المنهار لتعبيد الطريق أمام الدخول في عملية انتخابية نزيهة تمكّن الشعب الثائر من اختيار من يمثلونه في إدارة الحكم على نحو مؤسسي يجذر متطلبات التحوّل الديمقراطي المنشود.

وعلى الرغم من أن الموجة الثورية الثالثة التي أطاحت بالنظام استغرقت أربعة أشهر كاملة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة النطاق، إلا أن الخطوة التي أنهت سلطة الرئيس المعزول عمر البشير بتدخل مباشر من المؤسسة العسكرية، جاءت مفاجئة للجميع سواء من التوقيت أو المضمون، فالتدخل العسكري نفسه لم يكن نتاج تدبير مسبق وخطة معلومة لتبعاته بل جاء ابن لحظته تحت اضطرار اللجنة الأمنية لعدم إطاعة أوامر البشير بعض الاعتصام بالقوة بغض النظر عن حجم الخسائر المترتبة عليها، وجاء التطور مفاجئاً أيضاً لتحالف قوى الحرية والتغيير، وهو ما أقر به طائفة من كبار قادته الذين أفصحوا عن عدم جاهزيتهم للتعامل مع هذا التطور الطارئ خارج توقعاتهم، والأهم في هذه المسألة أن دخول المجلس العسكري ك «سلطة أمر واقع» خلط أوراق الترتيبات التي شرعوا في إعدادها على محدوديتها.

والملاحظ في مسار تطورات الأحداث من سقوط النظام السابق قبل أربعين يوماً، أن أياً من الطرفين الفاعلين، المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، اللاعبين الأساسيين في المشهد السوداني الراهن، لم يكن يملك رؤية متكاملة أو تصورات واضحة المعالم لاستحقاقات اليوم التالي لسقوط النظام، ربما كان الأمر مبرراً للمؤسسة العسكرية التي ظلت جزءاً أساسياً من المنظومة الأمنية لسلطة البشير، ولم تتخل عنه إلا في الساعات الأخيرة لحكمه، وبالتالي لم تكن مستعدة بخطط أو برامج محددة لمواجهة هذه المستجدات، وعلى صعيد المعارضة فعلى الرغم من أنها ظلت تناهض النظام لثلاثة عقود وتعمل على إسقاطه بعمل حثيث، إلا أن سرعان ما تبين أنها أيضاً بدت كمن فوجئ بمجئ اللحظة التي كانت تنتظرها منذ ثلاثة عقود، ولذلك لم تكن جاهزة بما يكفي من رؤى وخطط للنهوض بمهمة إدارة الفترة الانتقالية، ولعل لها بعض العذر ذلك أن قوى إعلان الحرية والتغيير الذي جاء في مطلع العام الجاري بعد أسبوعين من اندلاع الاحتجاجات الشعبية الواسعة، ضم عددًا كبيراً من التكتلات والأطراف المعارضة، المتباينة في وجهاتها وسياساتها وكانت سبباً في خصوماتها لفترة غير قصيرة، إلا أنها استطاعت التوافق على حد أدنى من التنسيق بينها لتحقيق هدف محدد محل اتفاق عريض الذي التف حول شعار «تسقط بس» الذي رفعته الجماهير الثائرة من شباب الجيل الجديد من الجنسين الذي فجروا الانتفاضة ضد النظام البائد.

شكّل دخول المؤسسة العسكرية، بأطرافها المختلفة لا سيما قوات الدعم السريع بسيرتها المثيرة للجدل، على الخط عامل جديد غير متوقع على المعادلات التي لم تكن قوى المعارضة تتحسب لها، على الرغم من أنها قصدت في الأيام الأخيرة توجيه المظاهرات التي كانت تحاول خلال الأشهر الماضية الوصول إلى القصر الرئاسي، للتوجه إلى محيط القيادة العامة للقوات المسلحة تستنصر بها لحمايتها من بطش الأجهزة الأمنية وتدعوها للتدخل، ولكن يبدو أنها لم تتحسب لعواقب الاحتماء بالجيش، فقد أكسبته خطوته بإطاحة البشير عامل ترجيح جعلته سلطة الأمر الواقع التي حلت محل النظام بعد سقوطه، تعامل الجيش في بداية الأمر باعتباره وسيطاً عابراً مهمته تأمين الثورة والقيام بملء الفراغ لحين تقدم القوى التي قادت التغيير لتشكيل حكومة مدنية لإدارة الفترة الانتقالية، ولعل عدم جاهزية قوى الحرية والتغيير لتقديم طاقم قيادي لتولي زمام الأمور فور سقوط النظام كان خطأ استراتيجياً كلّفها ثمناً باهظاً بسبب الفراغ الذي تركته وقاد لتمدد المجلس العسكري لملء الفراغ، ما أكسبه نوعاً من الشرعية بحكم الأمر الواقع.

لقد فوّتت قوى الحرية والتغيير سانحة اللحظة الثورية التي كان الجيش مستعداً فيها لتسليم السلطة للمدنيين فوراً، ولكن التباطوء في اغتنام هذه الفرصة غيّر من قواعد اللعبة بصورة كبيرة، خاصة عندما أخطأت القوى الثورية أيضاً في معالجة هذا القصور، ولا تزال حتى هذه اللحظة غير قادرة على تقديم الطاقم القيادي، ومضت أكثر من ذلك حين جعلت من المجلس العسكري مرجعاً تتقدم إليه بطلبات للاستجابة لها، هي من صميم أجندة الحكومة المدنية المفترض أن تعبّر عن روح الثورة ومطالبها، وهو ما قاد في نهاية الأمر إلى أن حق المدنيين الطبيعي في إدارة الأمور أصبح تحت رحمة التفاوض بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري.

صحيح أن التفاوض حقق بعض الإنجازات للمدنيين بعد الكثير من المطاولات، خاصة بإعطاء قوى الثورة حق اختيار المرشحين في مجلس الوزراء الذي اتفق على أن يكون شاغليه من خبراء غير محزبين سياسياً، كما أعطيت حق تسمية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي، إلا أن العقبة الأساسية لا تزال بمثار جدل عميق تتعلق بصلاحيات وعضوية مجلس السيادة المقرر له أن يحل محل المجلس العسكري الحالي، ففي حين يتمسك العسكريون بالأغلبية ورئاسة المجلس، يطاب المدنيون بتمثيل محدود للعسكريين وبقيادة مدنية، ومهما يكن من أمر ما سوف تفسر عنه الجولة الأخيرة من المفاوضات، يبقي هناك عامل آخر بالغ الأهمية خارج الحسابات الراهنة، وهي الكتلة الشبابية من المعتصمين في محيط القيادة الذي يطالبون بتنصيب سلطة مدنية كاملة، ويبقى السؤال هل تستطيع قوى الحرية والتغيير إقناع شباب الثورة بتسوية مع العسكريين، أم يصرون على قلب الطاولة على الجميع.

                   

khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .