دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 23/5/2019 م , الساعة 5:56 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الصمت فضيلة والثرثرة رذيلة

الصمت فضيلة والثرثرة رذيلة

بقلم : أ.د. عمر بن قينه(كاتب جزائري) ..

(الإنسان حيوان ناطق) خصّه الله بالكلام كما أكرمه بالعقل، فتتحدّد في النهاية قيمته بمدى تحكيمه عقله دون هواه، فيما يأخذ ويدع، ثم في قيمة ما ينطق به، وجدواه لحياة الفرد والجماعة، وإلاّ ضاعت أهمية ما خصّه الله به من عقل ينتج حكمة ولساناً ينطق حقّاً وصدقاً، أو يصمت دون ذلك؛ فيغدو (الصمت) دون ما فيه خير الناس فضيلة، يجني ثمارها العقل والإنسان، أما الانفلات من الصمت للّغو بكل ما يرد على الذهن فيجري به اللّسان، فيصير (ثرثرة) والثرثرة رذيلة، منكرة في العمل والمجالس، التي قد يفقد الكلام على ألسنة البعض فيها هويته؛ فيغدو (جدلاً) رخيصاً، يهدر الأوقات في سيل (الهدير).

لذا يختار(اليقظ) جلساءه «فالمرء على دين جليسه، فانظر من تجالس» فالمجالس للكلام الموضوعي المجدي وإلا فالصمت أنفع، «فأكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً فيما لا يعنيهم» لذا « ليس شيء أحقّ بطول سجن من لسان» كما ذكر(ابن قتيبة) فالأحاديث النبوية دقيقة في التحذير من عواقب الكلام في غير حاجة أو ضرورة» أمسك عليك لسانك والزم بيتك وابك على خطيئتك»، «رحم الله امرأً قال فغنم أو سكت فسلم»، و»استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» فحذّر لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم من (المُراء) واللغو في الحياة العامة» من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» لكن الجهر بالحق يصير واجباً في وجه طاغية أو معتدٍ، أو التنبيه لمظالم» من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

(الغيبة) نفسها التي حذّر منها الإسلام تغدو مشروعة في حديث نبوي، لكشف ضالين: «ثلاثة ليست غيبتهم بغيبة: الإمام الجائر، وشارب الخمر، والمعلنُ فسقَه» لتوعية الناس بحقائق ظالم ومنحرف. الصمت ممّا أوصى به الخليفة (أبو بكر الصديق) يزيد بن أبي سفيان متوجّها إلى (الشام): «أقلل من الكلام، فإن لك ما وعي عنك» لذا فالصمت مأجور عليه، ففي حديث قدسي: «من يضمن لي ما بين لحييه- أي فكَّيه- وفخذيه أضمن له الجنّة» لأن الثرثار أبغض الناس كما جاء في حديث نبوي: «إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيقهون» ألا تراهم يومياً في كل منعرج في العمل وخارجه؟ أما (الأسواق) فهي مراتعهم.

الصمت فضيلة أخلاقية، تعبيراً عن مستوى عقلي وفكري وإنساني رفيع «فسرّ المرء أسيره» كما قال الإمام علي» فإن تكلّمتَ به صرتَ أسيره»، بينما (الثرثرة) رذيلة، وداء عضال تعكس ضيق أفق «فمن ضاق قلبه اتّسع لسانه» فيمعن في تقعّره، وهو منطق (الهمجية) في السياسة (المشوّهة بالدخلاء) مثل الثقافة، هذه الهمجية باتت الطاغية في الحياة السياسية، نتيجة (العُجْب) الإبليسي في الحياة السلطوية والحزبية ونحوهما» ومن أعجب بقوله أصيب بعقله «فطعنات اللسان كوخز السنان، فالعقلاني الحكيم الحازم الأريب، يصمت حين يشتهي الكلام» الذي تُغري به «النفس الأمّارة بالسوء»:

فإن لم تجد قولاً سديداً تقوله فصمتك عن غير السّداد سداد.

ما إن ندمت على السكوت مرة ولقد ندمت على الكلام مراراً.

فالكلام في غير ضرورة تقتضيه آفة تحرّض عليها (المآرب)؛ فتغري بها الشياطين، فتصير (مزرعة السياسيّين) وأدعياء (سياسة) تحضر عواطفهم وتغذّيها مصالحهم؛ فتضيق صدورهم وتتصحّر عقولهم؛ فتصخب ألسنتهم بباطل كثير يدوس بنعاله من الحق الكثير؛ فتنخدع أمة تعجّ بالغوغاء الجاهلة، تندفع من بينها فرق (الهمج) صورة للنظير(البعوض). سرعان ما تروج أشكال من ضجيج الصاخبين، حتى ممن يُعجب الناسَ قولُه الذي يحجب مقاصدَه، «ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألدّ الخصام» (البقرة:204) «يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون»(التوبة:8) فيوحي بعضهم إلى بعض بكل منكر ونكير، فهذه النماذج البشرية جرثومة، فالبعد عنها أجدى:

إذا نطق السفيه فلا تجبه فخيرٌ من إجابته السكوتُ

النأي عن السيّئين ضرورة شرعية؛ فالصمت منهج العقلانيّين الجادّين المتبصّرين، أما الثرثرة فمنطق السياسيّين والهمجيّين، فهل يتصالحان؟ كلاّ! فكلاّ! ثمّ كلاّ! فلا تستوي الحسنة مع السيّئة على صعيد واحد، هو ما يكافح الأحرار الأخيار من أجله، ليبقى للخير أهله، بعيداً عن الشر وصانعيه ومروّجيه والفاعلين به.

E-Mail: beng.33@hotmail.com               

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .