دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 27/5/2019 م , الساعة 5:30 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

طللية داعش

طللية داعش

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

رغم كل ما قيل عن دخولها مرض الموت، فإن داعش لم تلفظ أنفاسها بعد، وما زال لها ظهورات مختلفة هنا وهناك في البر السوري والعراقي. فما بين الفترة والأخرى يُعلَن عن عملية لداعش، أو عن ظهور للخليفة البغدادي وصور وتسجيلات مصورة له، وكلها لا يشي بأن مرض الموت، وهو المرض الذي يؤدي حتماً إلى الموت حسب الشريعة الإسلامية، سُيطبق قريباً على المنظمة العمياء التي ضمت مدينتين من مدن الحضارة العربية هما الموصل والرقة وعاثت فساداً في ما لا يُحصى من المدن والأرياف الأخرى. دون أن ننسى أن من بين الكبائر التي ارتكبتها تشويهها الذي لا يُغتفر لصورة الإسلام في العالم وحالة الالتباس التي وقع فيها الكثيرون عندما ظنوا أنها إسلامية في جوهرها، أو أنها إحدى الفرق الإسلامية، في حين أنها اعتداء صارخ على الإسلام وقيمه.

ولكن داعش إذا صح أنها في أزمة وجود، فإن وجودها من الأساس عبارة عن سؤال لم يجب عنه أحد بعد إجابة قاطعة. فهل هي ابن شرعي لجهة عربية ما، أو لقيم إسلامية ما، أم هي أحد لقطاء التاريخ؟ وهل لها أب واحد، شرعي أو غير شرعي، أم لها عدة آباء لا يستطيع أحد تحديدهم بالضبط؟

وفي معرض البحث عن نسب لداعش كثيراً ما يُشير بعضهم لهذه المخابرات الأجنبية الدولية أو الإقليمية، رغم ظاهر الطابع العربي عليها كالخليفة والخلافة. ولكن الطابع العربي لا يحجب الطابع الأجنبي. فمع أن البغدادي لا يعرف حرفاً واحداً من أية لغة أجنبية إلا أن ما يضطلع به وينفذه هو عين ما يريده الأجانب، وهو هدم كل ما هو قائم وأخضر من عمران العرب ومؤسساتهم ودولهم. وعدم معرفة اللغات الأجنبية لا يعني عدم القدرة على قراءة التوجيهات والتعليمات، أو عدم التبصر بمن وراءها. والساعة الثمينة التي يضعها البغدادي في يده وهي حتماً من صنع معمل في الغرب يديره يهود وغير يهود، قرينة على الجهة التي يعمل الأجير أو المأجور لمصلحتها.

وإذا كان النسب مزغولا من الأساس فمن الطبيعي أن يحمل الهدف نفس الصفة. فأية أصالة أو شرف مبتغى في منظمة تتوسل العنف والجنون للعبث بما وبمن عبثت من بشر ومن حجر، من أقليات في ذمة المسلمين وفي ذمة أوطانهم منذ كان الإسلام وكانت الأوطان؟ ومن مدن كالموصل زهرة المدائن وقبلة التاريخ ومعدن الشرفاء والأحرار والأبطال والشعراء والمفكرين؟

ويساعد في تحديد الهدف وفي كونه مشبوهاً أن يد هذه المنظمة العمياء لم تمتد يوماً إلى مصالح إسرائيلية أو إلى مصالح أية دولة أو جهة أجنبية استعمارية. فهذه اليد المجرمة امتدت فقط إلى المصالح الوطنية أو العربية دون سواها. عندما تُلفظ داعش في محفل يتداعى إلى الذهن الخراب والتخلف المريع في الذات وفي المقصد وغياب أي فكر أو أفق أو رسالة.

صحيح أن تاريخ العرب والإسلام عرف منظمات متطرفة ارتكبت الكثير مما هو منكر أو مستغرب أو غير سويّ بحسب المعايير المختلفة التي سادت المجتمعات العربية في حينه، كالخوارج بشتى فئاتهم، والقرامطة وسواهم، ولكن هذه المنظمات كانت تنطلق من فكر ومن أسباب موجبة، وكانت لها مواقف ومبادئ سعت لتطبيقها. ولكن داعش المعاصرة منظمة حمقاء نكراء ومهما اجتهد المرء ليبحث لها عن فضيلة ما، فإنه سيعود من بحثه خالي الوفاض. ولعل أسوأ ما فيها هو ما أحدثته من التباس بينها وبين الإسلام إذ حسبها الناس عليه وهو منها براء، وممن حسبها عليه هم هؤلاء المسلمون المقيمون في دول أوروبا الذين تركوا مرابض الحضارة الحديثة ليلتحقوا بالرمال والبراري والوهم والسراب، صحيح أن لدينا جميعاً حلماً أو قضية مقورة مذبوحة من الوريد إلى الوريد سواء في فلسطين أو في سواها، ولكن الصحيح أيضاً أن داعش لم تكن هي الأداة الصحيحة لهذا الحلم أو لهذه القضية، ولم تكن تمثل صحيح الإسلام في شيء، وقد أشكل كل ذلك على هؤلاء المسلمين المقيمين في أوروبا.

لم يقرأ أحد يوماً لداعشي من الدواعش مقالة ما، أو فكرة ما، أو فكراً ما، بل قرأوا للدواعش ما فعلوه في الموصل والرقة وحلب، وما ارتكبوه من مجازر بحق السريان والإيزيديين وباقي الأقليات في زمن يفتخر فيه أبناؤه بأنهم يعيشون في عصر حقوق الإنسان وقبول الآخر والتفاهم والتسامح.

ولعلنا لا نبالغ إذا تحدثنا عن داعش بصيغة الغائب أو بصيغة الآخر في حين أن داعش لو تأملنا، ليست غريبة عنا كل الغربة، داعش أيضاً تنتسب إلينا كما تنتسب إليهم هي وليدة التخلف الذي تحياه شعوبنا ومجتمعاتنا وتبحث عبثاً عن منفذ للتخلص منه ولا تستطيع وما لم نقضي على هذا التخلف فمن غير الممكن القضاء على داعش الحالية وعلى ما لا يحصى من الصور الأخرى التي يمكن أن تتخذها الداعشية.

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .