دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 29/5/2019 م , الساعة 5:26 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الصراع المدني والعسكري في السودان إلى أين؟

الصراع المدني والعسكري في السودان إلى أين؟

بقلم : د. خالد التيجاني النور (كاتب وصحفي سوداني) ..

في ظل استمرار حالة الشد والجذب بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير حول ترتيبات الفترة الانتقالية، لا سيما الخلاف حول دور المؤسسة العسكرية، صادف هذا الأسبوع مرور خمسين عاماً على الانقلاب العسكري الثاني بقيادة جعفر نميري في 25 مايو 1969، الذي أسقطته الانتفاضة الشعبية الثانية في العام 1985. مما أعاد الجدل المحتدم حول الصراع المدني والعسكري في الفضاء السياسي السوداني حول حدود الدور الذي يجب أن تتقيد به المؤسسة العسكرية حسبما يرى المدنيون، وبين ما تراه هي عن مهمتها وحدود مسؤوليتها لتبرّر به تشبثها بالسلطة.

ويشكل هذا الجدل حول دور الجيش لُب الصرع الراهن في الساحة السودانية، والذي ستحدد دينامياته وتوازنات القوى بين أطرافه مستقبل الأوضاع في البلاد في الفترة المقبلة، وهي قضية بالغة التعقيد ظلت محل صراع مرير مستمر على مدار العقود الستة الماضية منذ نيل البلاد استقلالها، ويرى مؤرخون أنها ليست نزاعاً محضاً بين طرفي نقيض كما يبدو ظاهرها، بل تتداخل فيها عوامل شتى وممارسات متشابكة تجعل الفرز الحاسم على أساس مدني مقابل عسكري غير قابلة للتطبيق الواقعي، ذلك أن انخراط الجيش السوداني في اللعبة السياسية لم يكن في واقع الأمر سوى استجابة لأطراف مدنية جرّته للدخول في صراع السلطة في إطار محاولتها لتصفية حساباتها السياسية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن ضباط الجيش نفسه كانوا يفتقرون للطموح السلطوي.

قد تختلف بعض التفاصيل، إلا أن سقوط نظام البشير، أعاد للمرة الثالثة السيناريو نفسه الذي أسقطت به ثورتان شعبيتان نظامي «عبود ونميري» العسكريين، وتكرر في المرات الثلاث نسق الأحداث والوقائع ذاتها، تحريض من قوة سياسية مدنية للجيش للانقلاب على نظام منتخب، ثم تعقبها بعد فترة تطول أو تقصر انتفاضة شعبية للإطاحة بالأنظمة الشمولية، بيد أن المفارقة أن القدرة على التخلص من حكم العسكر الذي تمهدّه قوة مدنية لا يتحقق في نهاية المطاف للثورات الشعبية إلا بمساعدة العسكر أنفسهم، ثم لا يلبث العسكر أن يعودوا للانقلاب على النظام الديمقراطي قصير العمر بدعوة من حزب سياسي، وهي حالة يجري وصفها في أدبيات السياسة السودانية با»الدورة الخبيثة» في إشارة إلى التعاقب المتواتر بين أنظمة مدنية لا يتعدى عمرها خمس سنوات وأنظمة عسكرية شمولية متطاولة العمر، ومن بين سنّي السودان المستقل الثلاث والستين، دامت هيمنة الأنظمة العسكرية على السلطة لاثنتي وخمسين سنة منها، لتؤكد أن دور الجيش المتعاظم بمساعدة القوى المدنية يشكل داء السياسة السودانية المزمن، والمفارقة أنه كذلك دواؤها المر، فيما يبقى الشفاء منه في حكم المستحيل في ظل بقاء معطيات النظام السياسي السوداني القديم على ما هي عليه.

ومعرفة معطيات وجدلية العلاقة بين العسكري والمدني في السياسة السودانية في العقود السبعة الماضية ضروري لفهم ديناميات ومحددّات الصراع على السلطة في السودان وكيفية تشكيل طبيعة وخريطة النظام السياسي في البلاد وحقيقة «الاعتماد المتبادل» بين العسكري والمدني في تشكيل قواعد اللعبة السياسية، فالانقلاب العسكري الأول في السودان الذي حدث في 17 نوفمبر 1958، الذي دشّن دخول الجيش معترك السياسية والسلطة، بعد أقل من ثلاث سنوات من حصول البلاد على استقلالها، كان في واقع الأمر عملية تسليم وتسلم بين رئيس الوزراء المنتخب آنذاك عبدالله خليل، وبين الفريق إبراهيم عبود.

فقد رأي خليل، أن تدخلاً مصرياً على وشك الحدوث يهدف لإسقاط حكومته الائتلافية لصالح أحزاب موالية للقاهرة فآثر قطع الطريق عليها باستدعاء الجيش لاستلام السلطة، ليسجل بذلك سابقة دخول الجيش السوداني للسياسة بدعوة من حزب مدني، فقد كان خليل أيضاً سكرتيراً عاماً لحزب الأمة، المستند على طائفة الأنصار، ويدفع حزب الأمة عن نفسه التهمة بأن الرجل الثاني في الحزب فعل ذلك بصفته الشخصية وليس بقرار حزبي، غير أن راعيا أكبر حزبين باركا في نهاية الأمر الانقلاب واعتبراه «ثورة مباركة». ولم يلبث أن انقلب قادة الحكم العسكري على مهندسيه وزجوا بالجميع في السجون ليؤسسوا أول نظام شمولي في البلاد.

ولم تمض سوى ست سنوات على النظام العسكري الأول حتى هب السودانيون في ثورة شعبية أطاحت في 21 أكتوبر 1964، بنظام عبود، وتحقّق ذلك بمساعدة من ضباط في الجيش أسهموا في الضغط على قادة النظام من كبار الجنرالات حتى أجبروهم على التنازل عن السلطة لحكومة مدنية.

أعقب ذلك فترة انتقالية لأقل من سنة كانت شديدة الاضطراب بفعل الصراع بين المكونات السياسية المختلفة للسيطرة على قرار حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية، وتم تسليم السلطة لحكومة ائتلافية بعد انتخابات عامة في العام 1965، وانتخابات أخرى أجريت في العام 1968، وبعد سلسلة من حكومات ائتلافية متعاقبة، وفي ظل صراعات وانقسامات حزبية وبنية سياسية هشة لنظام ديمقراطي، بادر تحالف قوى يسارية، ضم مدنيين وعسكريين منتمين للحزب الشيوعي والقوميين العرب وآخرين، إلى تمهيد التدخل الثاني للجيش السوداني في لعبة السلطة بتنفيذ انقلاب في 25 مايو 1969 بقيادة العقيد جعفر نميري، بعد خمس سنوات فقط من ثورة أكتوبر حيث لم تفلح بكل ألقها ومكانتها في نفوس السودانيين من منع قوى حزبية مدنية أخرى من استدعاء الجيش إلى حلبة السياسة.

وكما في سيناريو الانقلاب الأول نجح نميري في إبعاد شركائه الشيوعيين والقوميين من السلطة، منفرداً بها متقلباً في تحالفاته، ويتكرر سيناريو الثورة الشعبية مرة أخرى في 6 أبريل 1985، ولم تحقق الانتفاضة هدفها في الإطاحة بالنظام إلا بعد انحياز الجيش لها بقيادة عبد الرحمن سوار الذهب وزير دفاع نظام نميري الذي أدار فترة انتقالية لمدة عام سلّم السلطة بعدها لحكومة منتخبة، ومرة أخرى لم يستطع الحكم المدني التعددي الصمود لأكثر من ثلاث سنوات فقط، وسط صراعات مريرة بين القوى السياسية وانقسامات وعجز عن تجذير الحكم الديمقراطي، لتدخل حلبة الانقلابات العسكرية هذه المرة الحركة الإسلامية السودانية التي لم يكبحها صعود نجمها الشعبي كونها القوة النيابية الثالثة من أن تخوض مغامرة عسكرية نفذت بها الانقلاب الثالث في 30 يونيو 1989 بقيادة العميد عمر البشير.

لتكتمل بذلك دورة تورّط القوى السياسية المدنية المختلفة، يميناً ووسطاً ويساراً، في استدعاء الجيش إلى ساحة السلطة وتوظيفه لخدمة أجندتها، ولكن تبين لها جميعاً في خاتمة المطاف أنها دفعت ثمناً غالياً لسوء تقدير حساباتها السياسية فقد راحت جميعها ضحية لمغامراتها العسكرية، فضلاً عن أن أياً منها لم يتعلم من تجارب من سبقه.

كما أن عدم التوافق السياسي على إدارة المرحلة الانتقالية في أعقاب الانتفاضات الشعبية عقب إسقاط الأنظمة العسكرية في ظل الصراعات الأيدولوجية ظل يحرم الثوار طلّاب التغيير الحقيقي من جني ثمار تضحياتهم بسبب تسابق القوى السياسية على خدمة أجندتها الضيقة على حساب الأجندة الوطنية الأكبر لوضع أسس لنظام ديمقراطي قادر على الصمود والتطور، ولذلك تأتي فترات الحكم المدني قصيرة العمر ضعيفة مضطربة مفتقدة للتأسيس الديمقراطي المؤسسي السليم للحكم الراشد، ولذلك سرعان ما تبادر قوة مدنية إلى استدعاء الجيش لحسم صراعها مع خصومها السياسيين، لتحرم البلاد من الصبر على الديمقراطية واستدامتها.

                   

khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .