دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 6/5/2019 م , الساعة 5:29 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

مذكرات الدكتور جورج حبش

مذكرات الدكتور جورج حبش

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

إذا قرأ أحدنا مُذكرات الدكتور جورج حبش، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومؤسس حركة القوميين العرب، الصادرة حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، أُعجب بهذه الشخصية الفذّة التي وهبت حياتها لقضية العرب المُقدّسة، ولكنه تساءل على الفور: أكل هذا النضال ذهب هدراً وكأنه لم يكن؟ ولماذا لم يتمكّن أحدٌ من الفلسطينيين منذ عام ١٩٤٨ إلى اليوم من زحزحة الصخرة الجاثمة فوق صدر فلسطين وإنهاضها من القبر الذي تثوي فيه؟.

لم يكتب جورج حبش مُذكرات بالمعنى المعروف للكلمة ولكنه كتب سيرة نضالية تشكّل نوعاً من وثيقة للجهد الذي اضطلع به أحد روافد الحركة الوطنية الفلسطينية وكان يُمكن لياسر عرفات قائد فتح أن يكتب مثل هذه السيرة وكذلك للشيخ أحمد ياسين مؤسّس حماس ولبقية القادة الفلسطينيين. فكل هؤلاء أبلوا أعظم البلاء في خدمة قضيتهم، ولكن لماذا انتكست هذه القضية انتكاستها التاريخية الماثلة اليوم، في حين تشدّد إسرائيل قبضتها على كل فلسطين وتضم إلى أراضيها جزءاً من أراضي دولة عربية أخرى؟ وإذا كانت المُذكرات السياسية التي تتناول صفحات من الماضي الفلسطيني القريب عملاً يمكن أن يستفاد منه على طريق النضال الطويل، فماذا عن الكتب الأخرى المُفترض أن تصدر وأن تتناول حاضر القضية وإشكالاتها الكثيرة ومُستقبلها الشديد التعقيد والغموض؟.

أسئلة كثيرة جديرة بالطرح في خضم الأمواج العاتية التي تواجه مُجمل الوضع الفلسطيني الراهن أولها لماذا كان الفشل صديقاً حميماً صعب التخلّص منه يوماً، فلما ابتسم الحظ لنا لم نجد سوى اتفاق أوسلو أمامنا؟، وعلى الرغم من كل الكوارث التي سبّبها لنا هذا الاتفاق فإننا لم نجرؤ على المَس به أو حتى طلب تعديله، وقد فات كل ذلك الآن لتتحوّل الأحلام الفلسطينية برمّتها إلى أحلام مُجهضة لا أمل على الإطلاق بأية انبعاثة لها، والأمل كله ينحصر الآن بعدم تراجع ترامب ونتنياهو عن صفقة القرن، فإذا تراجعا عاد من جديد الرهان على الأردن كوطن بديل للفلسطينيين.

ثمّة قدر لم نتمكّن من التخلّص منه، هو قدر الهزائم والانشقاقات والانقسامات وتعذر أو استحالة الوحدة، وقدر آخر لا يقل قساوة عنه هو رفض الحضارة والتقدم والتعامل مع إسرائيل بأساليب مر عليها الزمن وانتهى أمرها، ولم نتعرّض يوماً للإجابة عن سؤال يتعلق بالتقدم والتخلف. اكتشفت إسرائيل سر التقدم وأخذت به. فمن يعرفها منذ نشوئها في عام ١٩٤٨ يجد أنها اليوم دولة أوروبية ناهضة ومتطوّرة على الدوام، في حين أن صورتنا اليوم لم تتطوّر تطوراً يُذكر عما كنا عليه زمن الحاج أمين الحسيني، وهو وضع جدير بأن يُحفّزنا على الأقل لطرح أسئلة تتصل بصراعنا المصيري مع عدونا. فهل تقدّمنا كفلسطينيين وعرب عامل ضروري لتحرير فلسطين يوماً ولمواجهة تقدّم هذا العدو؟ أم أن بالإمكان إنجاز هذا التحرير بشعب مُتخلّف على جميع الصعد يعاني درجة لا توصف من الجهل والفقر ويعيش قسم لا يُستهان به منه في المُخيّمات؟ وإذا كان الجمهور العريض منه على هذه الصورة، فإن نخبه التي يُفترض أنها مُعاصرة ومُرتبطة بالعصر وعلومه وأفكاره ليست أبداً كذلك، بل هي تحيا عملياً بعيداً عن كل ذلك. والسؤال هو، هل من الممكن أن نواجه دولة أوروبية مُنفتحة أوسع انفتاح على العالم ، تتسابق الدول الخارجية جميعها لخطب ودها، في حين أن أساليب مواجهتنا لها أساليب بدائية؟ أليس تحقيق نهضة علمية ومُجتمع عصري واقتصاد ونمو اقتصادي يُوازي ما عند العدو شرطاً لا بد منه للمواجهة والانتصار؟

لماذا تنتقل إسرائيل من نصر إلى نصر في حين أن قضيتنا مُرادفة للفشل والهزيمة؟، أما من سبيل للوصول إلى سرّ تقدّمهم وسر تخلّفنا وتراجعنا؟ لماذا لا نعترف بالفارق الحضاري الهائل الذي بيننا وبينهم فنعمل على مُعالجته عن طريق الالتحاق بالعصر وحضارته مُضحّين بكل ما يُعيق هذا الالتحاق ويحول دونه؟ أليس ردم هذا الفارق الحضاري شرطاً لا بد منه للقضاء على هذا المُستعمر الاستيطاني الناعم بطول السلامة بيننا؟ وإلى متى هذا المشهد: بلاد كأنها كلها مخيّمات تنتسب إلى الماضي عدواً ينتمي إلى نيويورك وبقية العالم المُتحضّر؟

لو كتب أبو عمّار وأحمد ياسين وبقية هذه الأسماء الكريمة سيرهم الذاتية لما اختلفت في جوهرها عن سيرة جورج حبش كلهم قدّموا لفلسطين حياتهم، ولكن فلسطين مع الأسف لا تزال في أصفادها، إن لم تكن تئن في قبرها. والحاجة اليوم إلى رجال ونضالات من نوع آخر، إلى تغيير المدرسة ومعها تغيير الأساتذة والمناهج.

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .