دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 11/6/2019 م , الساعة 4:29 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

فضّ الاعتصام يجدد الثورة السودانية

فضّ الاعتصام يجدد الثورة السودانية

بقلم : د. خالد التيجاني النور (كاتب وصحفي سوداني) ..

لا تزال الثورة السودانية الثالثة تتواصل بكل عنفوانها، حتى بعد مرور شهرين على نجاحها في تحقيق شعارها إسقاط نظام البشير، ولا تزال تشغل الساحة السودانية وما وراءها، وتتصدر عناوين الأخبار، وسط تطورات داخلية بالغة التعقيد، وتدخلات خارجية كثيفة بأجندة متقاطعة، فيما عاد المشهد على الأرض بتفاعلاته السياسية شبيها بتلك الأشهر الأربعة التي استمرت فيها الاحتجاجات حتى سقوط النظام في 11 أبريل الماضي، أما هذه المرة فالمطلوب عند الثوار هو إسقاط المجلس العسكري الانتقالي الذي شكلته المنظومة الأمنية للنظام السابق لإدارة الانتقال بعد قرارها إنهاء حكم الرئيس السابق عمر البشير.

تقلبت الأمور على نحو درامي خلال الشهرين الماضيين من ترحيب شعبي واسع بمجرد سماع المواطنين لإذاعة المارشات العسكرية السمة المميزة المعهودة لحدوث انقلاب في السودان وهي تعلن عن بيان مرتقب لقيادة الجيش، كانت كافية ليدرك الناس أن عهد البشير قد طوي، ثم ما لبث أن انقلب الفرح إلى غم حين أذاع البيان نائب الرئيس السابق ووزير دفاعه، ليواصل المحتجون ثورتهم لتنجح في إطاحة ثلاثة من أبرز وجوه النظام السابق رئيس المجلس ونائبه رئيس الأركان، ورئيس جهاز الأمن والمخابرات، ليصعد لقيادة المجلس الرجل الثالث في قيادة الجيش عبد الفتاح البرهان، ونائباً له محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي قائد قوات الدعم السريع، وسط ترحيب ملحوظ من الثوار وقد رأوا فيهما حينها شركاء موثوقين للثورة، وتغاضوا حينها عن كونهما أيضاً من وجوه النظام الذي أسقطوه.

على الرغم من أن التفاوض استمر سجالا طوال الشهرين الماضيين بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير، المظلة العريضة التي تضم تحالفات المعارضة الرئيسية التي اعترف بها المجلس كممثل للحراك الثوري، ووصول المفاوضات إلى نتائج متقدمة حيث تم الاتفاق على هياكل الحكومة واختصاصاتها في مرحلة انتقالية لثلاث سنوات، وتسمي قوى الحرية مرشحي الحكومة من الكفاءات، وتشغل ثلثي المجلس التشريعي المعين، ويتم التشاور معها حول الثلث الآخر، غير أن الجدال حول مجلس السيادة الذي سيحل محل المجلس العسكري، شكّل كعب أخيل هذه الحوار بين الطرفين، حيث لم تقبل قوى التغيير بتخلي المجلس العسكري عن احتفاظه بالكامل بالدور السيادي، وموافقته على مشاركة المدنيين مشترطاً أن تكون له الأغلبية ورئاسة المجلس، وتمسكت المعارضة بتمثيل رمزي لا غير للعسكريين في مجلس بأغلبية ورئاسة مدنية، وما لبث أن فجّر الخلاف حول هذه المسألة المفاوضات بكاملها في ظل تمسك كل طرف بموقفه، ونشطت وساطات للتقريب بين الطرفين، حيث راج قبولهما لصيغة تنص على تمثيل مناصفة بين المدنيين والعسكريين ورئاسة دورية، غير أن بعض أطراف قوى الحرية لا سيما الحزب الشيوعي السوداني أعلنت في بيانات متتالية رفضه التام لأي مشاركة للعسكريين في هذا المجلس، وعلى الجانب الآخر برزت معارضة داخل المجلس الانتقالي قادها نائب رئيسه محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع لهذا الاتفاق، فيما سارع لحشد تأييد قوى تقليدية من الإدارة الأهلية، وبعض القوى السياسية التي كانت في نظام البشير حتى سقوطه، لتبدأ حملة تصعيد إعلامية مفتوحة بين الطرفين سمّمت الأجواء السياسية في ظل انسداد أفق أمام أي تسوية محتملة.

لم يكن حتى أكثر الناس تطيّراً يتوقع أن يقدم المجلس العسكري الانتقالي على خلفية هذه التطورات إلى ارتكاب حماقة فض الاعتصام بالقوة المفرطة واستخدام أسلحة نارية ضد محتجين عزّل مما أدى إلى اغتيال وجرح المئات من الشباب المعتصمين من الجنسين الذين باغتهم الهجوم الذي تولت كبره قوات الدعم السريع في فجر اليوم الأخير من شهر رمضان، وهو حدث أصاب السودانيين بصدمة عنيفة لم يفيقوا منها بعد، فقد فاق العنف الذي استخدمته هذه القوات كل الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق خلال أشهر الاحتجاجات سواء من حيث عدد الخسائر في الأرواح وطرائق القتل البشعة التي استخدمت دون أدنى اعتبار لأية معايير أخلاقية أو إنسانية، فقد نجح الهجوم الغادر في فض الاعتصام، ولكنه خلف آثاراً صادمة عميقة في نفوس السودانيين الذين شهدوا وقائع مصورة لما حدث على الرغم من مسارعة السلطات لتعطيل خدمة الإنترنت في محاولة لمنع انتشار أدلة الجرائم المرتكبة.

حارت البرية في هذا التصرف البربري، ما الذي دار في خلد المجلس العسكري عمّا يمكن أن يجنيه من هذه المجزرة البشرية لشعب أعزل، فالاعتصام لم يكن مجرد كرت في يد قوى الحرية والتغيير لتضغط به على المجلس العسكري، ولعله من أوحى بفكرة فضه بالقوة دون وعي بعواقبه الوخيمة اعتبر أن ذلك سيكون كافياً لتخليصه من هذه الضغوط، وما درى أنها ستكون سبباً في أن تتحول البلد كلها لساحات اعتصام وليس فقط محيط القيادة العامة للجيش، ولتزداد الضغوط على نحو لا قبل لهم به.

كانت رمزية الاعتصام أيقونة الثورة السودانية بلا منازع ودلالة سلميتها، وكون مكانه كان في محيط القيادة العامة للجيش فقد حمل رسالة عظيمة الشأن لم يستوعبها المجلس العسكري أن الثوار قصدوه ليؤكدوا فكرة الشراكة ببن المدني والعسكري في طلب التغيير المنشود للسودان، وأن هذه كانت فرصة للمؤسسة العسكرية السودانية التي ارتبط اسمها بالأنظمة الشمولية التي سيطرت على الحكم لأكثر من خمسين عاماً لتعيد تعريف نفسها ودورها في مشروع وطني جديد قائم على الحرية والعدالة والسلام، لذلك كان أمراً بالغ الغرابة أن المجلس العسكري الذي يدين بوجوده لهؤلاء الثوار ولاعتصامهم، والذي أعلن انحيازه لهم برفض تنفيذ قرار الرئيس المعزول عمر البشير بفضه بالقوة، يأتي بعد شهرين فقط لينفذوا عين ما رفضوه عشية إسقاطهم البشير في مفارقة حار العقلاء في فهمها.

صحيح أن أصابع الاتهام تشير كلها إلى أن قوات الدعم السريع المثيرة للجدل هي التي اقترفت فض الاعتصام بالقوة، لكن المسؤولية بالضرورة تقع على المجلس العسكري ككل، خاصة أن أول بيان أصدره عقب هذه العملية كانت محاولة توظيفها سياسياً للتراجع عما تم الاتفاق عليه مع قوى الحرية، ووقف التفاوض معها، ثم إعلان انتخابات مبكرة من طرف واحد ما يؤكد فرضية أن فض الاعتصام لم يحدث عرضاً ولكن بخطة تهدف لاستغلال التخلص من كرت ضغط المعارضة، ولكن كانت النتيجة عكسية تماماً.

khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .