دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 16/6/2019 م , الساعة 6:37 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

لماذا يجب مقاومة الحصار؟

لماذا يجب مقاومة الحصار؟

بقلم : طـه خـلـيفـة(كاتب وصحفي مصري) ..

لا يعني انتهاء عامين، وبدء عام ثالث من الحصار على قطر، أنه يجب التسليم بهذا الوضع غير الطبيعي المتجاوز لكل المعاني الإنسانية، والقيم الأخلاقية، والمنتهك لكل حدود الخلافات السياسية مهما كان جوهر وعمق هذه الخلافات بين الدول.

الحصار في حد ذاته مفردة بائسة، ظالمة، مدمرة، قاتلة للهدف الأسمى من وجود الأمم والشعوب والإنسان وهو الانفتاح والتقارب والتمازج والتعاون والتضامن والتكاتف والتآلف والتعارف، وإلى آخر كل هذه المعاني السامية النبيلة، الحصار معنى سلبي لا يستقيم مع الفطرة السوية، ولا مع الأخوة المرجوة من وجود البشر على الأرض، إذ لا يُتصور أن يحاصر إنسان أخيه الإنسان بقصد الإضرار به إلى حد الهلاك.

لا يجب التسليم بالوضع الخاطئ والشاذ، ولا الاستسلام له، ولا التطبيع معه، حتى لا يصير هذا الوضع غير الطبيعي قاعدة قابلة للتوسع والانتشار والتعميم، إذ كلما يدب خلاف أو نزاع أو شقاق، أو يستقوي طرف على طرف، أو تتحد أطراف على طرف، يكون القرار هو إنزال العقاب، وفرض الحصار حتى رفع الراية البيضاء، وكأن الطرف المستقوي، أو الفارض لعدالته الخاصة، يمتلك وحده الحق المبين، ويحتكر وحده الحقيقة المطلقة.

الحصار على قطر وسكانها بمواطنيها ومقيميها وزوارها مرفوض منذ يومه الأول وحتى دخوله عامه الثالث، ولا يمكن التفاهم مع صانعيه في ظل استمراره، كما لا يمكن تبريره مهما كان الكلام منمقاً، الخلاف وارد، وتباين وجهات النظر طبيعي بين الدول، وليس ضرورياً أن تكون المواقف متطابقة، لكن لا يصل الأمر إلى عقاب جماعي لدولة وشعب واستغلال ظروف جيوسياسية للضغط والخنق والكسر ومحاولة إنزال الهزيمة.

القلق من مصائر الحصار لا بد أن ينتاب بلداناً عديدة في العالم فرضت عليها الجغرافيا أوضاعاً خارجة عن إرادتها في التواصل مع العالم، حيث قد تجد نفسها فجأة أمام حدود مقفلة ممنوع المرور عبرها، ليكون تخييرها إما السير في هذا الطريق، أو لا طريق لك عندنا، هذا استعلاء واستقواء واستهانة بالإنسان وبمعنى الدولة وبالقانون الدولي وبحسن الجوار.

لكن يشاء الله ألا تكون الجغرافيا مثل الصندوق محكم الغلق على قطر حتى لا تستمتع جارتها الكبرى وهي تشدد الغلق وتحكم الحصار وتعرض الناس للأهوال وتفرض عليهم مصاعب في السفر والتنقل بل وممارسة الشعائر الدينية حجاً وعمرةً، فالجغرافيا كانت رفيقة ورحيمة عندما تركت منفذاً مائياً للتنفس والتحرك والتواصل مع الجيران ومع العالم، ويكون هذا المنفذ مع إيران الجار المسلم غير العربي الذي يتخذ مواقف إنسانية في الدعم والمساعدة.

ثم يكون المنفذ الآخر على الحياة هو لشقيق مسلم غير عربي، حيث قامت تركيا بالدور المقدر في الجوانب الإنسانية والاقتصادية والتجارية والسياسية، ولا تزال هي وإيران يقومان بدور مهم في هذا الإطار.

والمفارقة أنه بينما لا يزال يغلق بعض العرب أبوابهم، يفتح غير العرب أبوابهم على اتساعها، وبينما لا يزال يحاصر بعض العرب أشقائهم، يواجه هذا الحصار ويزيل آثاره غير العرب، ولم تكن إيران وتركيا فقط من غير العرب اللتان وفرتا الدعم والمساندة، بل كثيرون من غير العرب ومن غير المسلمين يقومون بهذا الدور الإنساني الراقي، العجمي أكثر رحمة على العربي من بعض أشقائه من العرب.

شاء الله أن يمنح قطر خيراً وفيراً يمكنها من التغلب على حصار يستهدف تجويع السكان، فماذا لو كان البلد بلا مورد طبيعي يدر دخلاً يتقوى به على من يستقوون عليه بحصار غير إنساني؟، هنا تسقط تماماً مقولة أن الحصار لا يستهدف أو يمس الشعب، فمن كان يستهدف إذاً؟، وغلق الحدود براً وبحراً وجواً يمنع الطعام والشراب والدواء ومتطلبات الحياة بضروراتها وأساسياتها غير إسقاط الشعب، أو تحويله إلى ورقة ضغط على دولته؟.

تيار الإنسانية في العالم رفض الحصار الأمريكي على كوبا، وناهض الحصار الأمريكي الغربي على العراق، وعارض حصار قطاع غزة الذي يواجه أعتى احتلال دموي همجي استئصالي في التاريخ الحديث، وهو اليوم يرفض حصار قطر، فأزمات السياسة وتبايناتها وتعدد مواقفها وخياراتها وتوجهاتها يتم حلها بطرق السياسة عبر الحوار والتفاهم وليس عبر شن المعارك وإعلان الحصار، وليس بفرض العقوبات كما تفعل أمريكا اليوم مع إيران وفنزويلا، وكما تتشارك مع الاتحاد الأوروبي في معاقبة روسيا.

نحن إزاء محاولة تكريس واقع يضرب منظومة القانون والشرائع والمعاهدات والأعراف الدولية التي تمثل الآلية الوحيدة المتفق عليها والقادرة على الفصل في النزاعات والخلافات والشكاوى بين الدول، كما تضرب منظمة الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها وهي المظلة لجميع بلدان العالم، حيث تناقش فيها علاقات الدول وأزماتها بحثاً عن حلول لها، كما تضرب المنظمات الإقليمية التي تعتبر بيتاً لأعضائها هدفها تنمية ورفاهية شعوبها وحل مشاكلها في أجواء ودية.

النظام العالمي يجب ألا يسمح بفرض منطق القوة والاستقواء والتجبر والعمل خارج القانون الدولي من أي دولة أو مجموعة من الدول مهما كان حجمها ووزنها ونفوذها وتأثيرها ضد دولة أو دول أخرى قد يُنظر إليها على أنها أصغر أو أضعف.

مقاومة قطر للحصار والصمود أمامه طوال عامين كاملين خطوة مهمة في طريق إسقاط مثل هذه الممارسات التي تناقض عقل ومنطق الحداثة والحضارة، وإفشال لسلوك القوة، وإثبات أن الحوار يظل السبيل الوحيد الآمن والعادل والإنساني والمنطقي لحل أعقد المشاكل ومنع أخطر المعارك.

tmyal66@hotmail.com

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .