دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 17/6/2019 م , الساعة 7:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الدولة العربية.. حالة انكسار

الدولة العربية.. حالة انكسار

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

أكثر الناس تفاؤلاً لن يتردّد في وصف نموذج الدولة العربية بالانهيار، ذلك أنّ تفكُّك منظومتها، يضع وجود هذا الكيان السياسي والإستراتيجي- إن لم يتمّ تداركه- في مهبّ عواصف عديدة ليست على شكل نهاية التاريخ، وإنّما على نموذج تشريحه وتفكيك الحاضر ونثر المستقبل رماداً تذروه الرياح.

وبالرغم من أنّه ليس عادلاً تماماً إلقاء كل تبعات تصدّع كيان الدول العربية إلى التغيّرات التي صاحبت ثورات الربيع العربي منذ عام 2010م، إلّا أنّ بداية اهتزاز أركان هذه الدول التي غشاها الربيع بنوعيه العابر والممتد، جعل بنيتها المركزية في حالة اهتزاز أو حالة بين الدولة واللادولة. ونتيجة لذلك افتضح سرّ الدولة المركزية التي استأسدت لزمنٍ طويلٍ على حساب الهامش. كان واضحاً أنّ هناك دوافع ظرفية متزامنة أكدّت على زمنٍ ترزح أحداثه تحت متغيرات معقّدة. وبالرغم من أنّ عقدَي السبعينيات والثمانينيات قد شهدا صرخة جيل اليوم الذي عانى السواد الأعظم منهم مرارات الاغتراب والتهميش، إلّا أنّ المنتمين منهم لتيارات سياسية وأيديولوجيات فكرية وغير المنتمين قد توحدوا على فكرةٍ سواء بينهم. هذه الفكرة هي الإيمان بحراك تتمظهر فيه أفكارهم لتشيد المشهد المجتمعي فتولد إجابات عن الأسئلة الكُبرى التي طالما عزف الأوصياء على المجتمع باسم السلطة عن الإجابة عليها.

تبدو الكتابة عن هذه الدول العربية المعنية ووضعها وراهنها السياسي كصدى الأخرى، فهي بشكلٍ أو بآخر تحت سيطرة الفوضى وكاشفة عمّا يمور داخل أحداثها الصاخبة بشخوصها، أبطالاً وضحايا ومجرمين. وما يفيد في هذه الحالة المتجددة على مرّ الثماني سنوات الماضية هو أنّ ذاكرة الأحداث متوهّجة منذ ذلك الوقت الذي أشعل فيه البوعزيزي النار في جسده، وإلى الوقت الذي توحّدت أغلب شعوب هذه البلدان على مطالبها بمناهضة العنف والظلم بكافة مصادره. الصورة الواضحة الآن هي أنّ الواقع العربي مهزوم، والواقع المتخيل تحقق لبرهة ثم ما لبث أن انزوى.

حبست هذه الأحداث الكل في مربع « اللاتوقع» بقيود التزمّت السياسي والديكتاتوري الذي يسود في المجتمع العربي، وتوق هذا المجتمع إلى الديمقراطية ونضاله المستمر حتى بعد نيلها والانقلاب عليها مرةً أخرى. وهكذا تبدو صور الثورة المتحرّكة ترقص على إيقاع الآلام تارة، وعلى وتر الآمال في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية تارة أخرى. وبمثل حالات التشظي يصحو العرب لبرهة يدعون إلى اجتماعاتٍ تظهر فيها الفُرقة أكثر من الوحدة، خاصةً تلك التي يتباحثون فيها زلازل الأحداث، وكأنّ ما يدور في أيٍّ منها يتكرّر في الأخرى. ما كان حريّاً بالعرب وجامعتهم المغلوبة على أمرها هو أن تكون واقفة على أهْبة الاستعداد ما دام في هذا الوطن العربي المكلوم دماء تسيح في الطرقات، وتبدّلٌ لزرقة الشواطئ بحمرة الدماء. ويستوي هنا الفعل والجريمة، ولا فرق بين أن يرتكبها منفلتٌ بإيعاز من جماعةٍ متوحشة في بلد أو آخر يُقتل بنوه بتوافقٍ غريب ومحيّر.

ما زالت الهواجس تقضُّ مضاجع الحالمين بثبات الدولة العربية الحديثة وتصيب آمالهم في مقتل. لقد كانت المخاوف القديمة والتي ارتبطت بمظاهر التسلط والاستبداد في أغلب الدول العربية وعلى مرّ تاريخها الحديث هي من أهواء النزق السياسي الذي يبيح الاستقواء على الآخر بغرض الخلود في السلطة. أما وقد جاءت ثورات الربيع العربي وهي تحمل آمالاً عراضاً فقد استبشر بمقدمها مواطنو هذه البلدان ولم يبقَ غير الصمود في سبيل ألّا تتحول هذه الآمال إلى آلام عظيمة قد تأخذ في طريقها فرص التغيير الحقيقي على مستوى الدولة السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ما وعد به الربيع العربي هو إيجاد تغييرٍ حقيقي يصنع الاستقرار، ولكن ما تجسد من هذه الظروف في زيادة قبضة السلطة التي تناسلت عنها سلطات أعنف أذِن بانفجارات دعاوى الانفصال التي كانت فيما قبل كامنة في صدور الأقليات الموجودة في كل دولة عربية. وقد كان تعبير هذه الأقليات عن ذاتها من خلال اندغام مكوناتها الشعبية بعد اقتلاعها فرصةً للتعبير عن طريق الثورة حتى بدا الأمر وكأنه مفاجأة للجميع. وعنصر المفاجأة هو تمرد هذه المكونات على أنماط الدولة الموغلة في مركزيتها على حساب الهامش المستبعَد لأسبابٍ إثنية أو دينية أو طبقية.

ولا يخفى على الجميع أنّ ما كان يجيش في صدور هذه المكونات قد سبق تاريخ انطلاقه بكثير. فالنزعات الانفصالية لم تكن سوى ثورة مكتومة اعترضت بشكلٍ جزئي على شكل الحكم ولو أنّها لم تعمل على جرّ كل المكونات الأخرى إلى مربعها الانفصالي.

وليس بالضرورة أن يكون التفتت الذي ينهش عضد الدولة ناتجاً مباشرة عن السنوات الأخيرة لأنّ هناك نموذجين مثل الجزائر والسودان لم تشهدا الربيع في وقته ولكن شهدتا ربيعاً متأخراً. وهناك حراكٌ في بعض الدول صحبته حالة تفكك أتاحت مجالاً لقياس احتمالات تطور التفاعل بين هذه الديناميات. فهناك نزعات انفصالية منها ما اكتمل مثل انفصال جنوب السودان في يناير 2011م، وبعضها شبه منفصل مثل كردستان العراق، وآخر غير منفصل لكنه خارج حدود السلطة السياسية مثل أكراد سوريا. ثم هناك ما يحدث من استمرار الدولة المركزية في تغذية محفزات الانقسام على أساس إثني وجهوي مثلما يحدث في بعض الدول العربية. فخروج المكونات من تحت حطام الثورات مطالبة بالعدالة في التنمية الاقتصادية والسياسية يضع في الاعتبار أملاً في التغيير إذا ما تمّ تداركها بتحقيق ما جاءت به أهداف الثورة.

ورحلة مخاض التغيير هذه تستوجب الانتباه إلى عوامل قد تنقل الدولة من هزّة إلى حالة تصدع جيوسياسي ثم إلى مرحلة تفتيت الدولة الوطنية. وهذه التوقعات لا تأتي من العدم لأنّ كيان الدولة العربية وإن توحّدت سياسياً داخل حدودها الجغرافية فإنّه تمور على أرضها العديد من الصراعات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي هيأت بيئة خصبة لتفتت وتصدّع هذا الكيان.

وهذا النموذج للدولة المتصدّعة أظهر خطل العبارة التي تفترض أنّ العالم العربي تسير دوله في اتجاه القبول بالآخر. فبالرغم من ازدياد خط التعددية الثقافية داخل كل دولة، فإنّ تجلي هُويةٍ معينة يعمل بطريقة مباشرة على تنبيهٍ يُشعر السلطة بالخطر والتحسب من مطلوباتها ومعطياتها التي يتم كبحها حتى لا تسير في خط الصعود، وتتوالد تبعاً لذلك هُويات أخرى تبتلع المركز السلطوي.

ولا غرو إن تحولت البنية الهيكلية للدولة في الوطن العربي إلى مجرد كيانٍ ممزّقٍ تتصارع فيه نزعات إثنية وجهوية بعد أن فقدت المجتمعات العربية مظلتها القومية والوطنية. معاناة دول الربيع العربي من آلام التغيير الناتج عن الثورة، وازدياد الوضع في سوريا فظاعةً وفي السودان على ذات الطريق إن لم يتداركه عقلاء القوم، فلن يزيدنا ذلك إلّا إيماناً بأنّ تحطيم صنمية الدولة المركزية يستدعي النظر في إعادة تشكيل خريطة عربية جديدة. هذه الخريطة يقع عليها عبء عدم التواني عن خلق خطوط دفاعٍ هي الأمل المتبقي للتحول الذي يؤمل أن تأتي به ثورات الربيع العربي رغماً عن كل شيء، وتحول بين الدول وبين ما يمكن أن يحدث بها من تصدّعاتٍ هي صنو الهزيمة والانكسار.

                   

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .