دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 19/6/2019 م , الساعة 6:31 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

فوضى خلّاقة

فوضى خلّاقة

بقلم : جورج علم (كاتب لبناني) ..

يتعاظم شأن الاصطفاف الدولي حول منظومتين : احترام سيادات الدول، ومرجعيّة الأمم المتحدة، وميثاقها، والاتفاقيات الدولية، والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن، مقابل التناغم والتماهي مع النهج التسلّطي، المستند إلى القوّة، والمنطق الفوقي، والضارب بعرض الحائط المواثيق المألوفة، والمعاهدات الناظمة، والمسترسل بفرض العقوبات، وإعلان الحروب التجارية المتسرّعة.

المدافعون عن المواثيق، والقوانين، والسيادات، والعلاقات الناظمة بين الدول والشعوب، يرون بأن العالم لا يمكن أن يكون حقل اختبار لفوضى عارمة، يتحكّم بها جشع مفرط، مستند إلى منطق القوّة، وحبّ التسلّط. فيما المدافعون عن المنطق الفوقي الاحتوائي، يرون بأن إنسان اليوم لا يمكنه أن يسكن في منازل الأمس، والمؤسسات الناظمة التي أبصرت النور عشيّة انتهاء الحرب العالميّة الثانيّة، لا تصلح لمواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى، هناك ثورة تقنيّة فرضت ثقافة ملتزمة ببرامج علميّة كونيّة، وتنافس محموم على الفضاء الخارجي، وهوة سحيقة ما بين شعوب منتجة، وأخرى مستهلكة.

ويبدو أن التفاوت بين المنطقين قد فرض نفسه على مراكز الأبحاث والدراسات، وأيضاً على مراكز القرار في عواصم الدول النافذة، بدليل أن الدول الصناعيّة الكبرى، تدرس بروح عالية من المسؤوليّة، حجم التداعيات السلبيّة الناجمة عن زيادة الرسوم الجمركيّة على الحديد، والصلب، والألمنيوم، وانعكاس كلّ ذلك على صناعة السيارات، والأسلحة، وسائر الصناعات الثقيلة. فيما تنشط المفوضيّة العليا للاتحاد الأوروبي إلى وضع العلاقة بين ضفتي الأطلسي على المشرحة، انطلاقاً من الزلزال المدمّر الذي أصاب بناها التحتيّة انطلاقاً من حلف ( الناتو)، ومطالبة كل من فرنسا، وألمانيا برفع رسوم مشاركتهما، مقابل البقاء، والاستمرار، إلى طرق الحرير الجديدة التي تسعى إلى اعتمادها الدول المقتدرة، وسط كمائن خطرة، وحروب تجاريّة، وتنافس محموم على تحقيق توازن بين كفتي الاستيراد، والتصدير، إلى البيئة والمناخ بعد خروج الولايات المتحدة من اتفاقيّة باريس، ناهيك عن فوضى التسلّح بعد انسحاب واشنطن من اتفاقية الصواريخ القريبة والمتوسطة المدى.

لقد نجح الرئيس دونالد ترامب نسبيّاً، ولغاية الآن، من أن يفرض نمطاً جديداً من التعاطي بين الدول والشعوب، إنها «الثقافة الترامبيّة» القائمة على مرتكزات خمسة: الخروج التدريجي من ميثاق الأمم المتحدة، والتصرّف بشكل أحادي وفق ما تمليه سياسة المصالح. والتعاطي مع قرارات مجلس الأمن الدولي بصورة استنسابيّة. وفرض العقوبات يمنة، ويسرة، على هذه الدولة أو تلك، استناداً إلى حسابات ومعايير خاصة. والتحكم بموارد الطاقة، ومنابع النفط، والإمدادات، والممرات المائيّة، والمعابر الاستراتيجيّة. وإعلان الحروب الاقتصادية الرادعة.

ويشكل الشرق الأوسط علامة فارقة، إنه الساحة، والمسرح، هنا تختبر الحسابات الخاطئة، والقرارات المتسرّعة والإرهاب بكل فلوله وميوله وتنظيماته وخلاياه. وهنا «الربيع العربي»، أو ربيع الآخرين بدم العرب، وعلى حساب قيمهم، وأوطانهم، ومبادئهم، وحضاراتهم، وثقافاتهم، وخصوصياتهم. وهنا «ثورة الياسمين» في تونس، وانتفاضات التغيير والتطوير في ميادين مصر، وهنا ليبيا التي ذهبت نحو المجهول بعدما انهارت خيمة العقيد، وسوريا التي تبحث عن السيادة والأمن والاستقرار، والعراق المشظّى، ولبنان المغلوب على أمره، واليمن غير السعيد، والذي حوّلته «عاصفة الحزم» الى مختبر يومي للأسلحة الحديثة الفتاكة.

وتنتشر في أرجاء هذا الشرق الأوسط الواسع، الدبلوماسيّة الأمريكية، والقواعد الأمريكية المحصّنة، والقرار الأمريكي، والأسطول الأمريكي، والجيش الأمريكي، والدولار الأمريكي، والنفوذ الأمريكي، مقابل تصاعد مخيف لعلامات الاستفهام المقلقة، والمتصلة بالمستقبل والمصير.القضيّة الفلسطينيّة، إلى أين؟، ومتى الحلّ المشرّف؟. السودان إلى أين؟. الجزائر إلى أين؟. ليبيا إلى أين؟. وسوريا أيضاً؟. واليمن؟. وماذا عن ارتفاع منسوب التعبئة الإعلاميّة، والدبلوماسيّة، والعسكريّة بين واشنطن، وطهران. وكيف يصحّ وضع النار الملتهبة إلى جانب برميل النفط، ثم التباهي بأن الأمور تحت السيطرة؟!.

لم يعد الحديث عن إدلب، ومعاركها، ولا عن الصواريخ المجهولة التي تقع بجوار السفارة الأمريكية في بغداد، ولا عن الطائرات اليمنيّة المسيّرة، والملغّمة برسائل متفجّرة. يدور الحديث اليوم حول النفط، والطاقة، والناقلات المستهدفة، والمعابر غير الآمنة، والأمريكي المنتشر بحاملات طائراته، وأساطيله، ومنطقه المحبوك بألف لغة، وأسلوب، والاصطفاف الدولي حول هذا النهج المتفلّت من ضوابط القانون، والدستور، الاتفاقيات، والمعاهدات، والسيادات المخترقة بقوّة الأمر الواقع. إنها الحرب المتعددة الوجوه، والوسائل، والهادفة إلى السيطرة، والهيمنة، والتفرّد في التحكم بمصائر دول وشعوب وأنظمة، من خلال التحكّم باقتصادياتها. أليس العالم اليوم مجرّد مختبر للفوضى الخلاّقة؟!

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .