دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 24/6/2019 م , الساعة 4:53 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أحلام عراقية مجهضة

أحلام عراقية مجهضة
بقلم / جهاد فاضل - كاتب لبناني : 

عندما كنتُ طالباً في كلية المقاصد الإسلاميّة بصيدا دخلتُ يوماً إلى مكتبة الكلية لأتعرّف إلى ما تضمّه من كتب، وقد لفت نظري كتيب صغير مكتوب على غلافه «برنامج نادي المثنى في بغداد» مطبوع في العراق في بداية الأربعينيات من القرن الماضي. كنتُ في السادسة عشرة من العمر ولي ميول عروبيّة فأحببت أن أطلع على هموم النخبة العراقيّة وأحلامها كما يُفترض أن تتبدّى في برنامج هذا النادي القومي. وكان مما لفت نظري مادة تنص بالحرف الواحد (تحضير البدو) فظننتُ أن بدو العراق الذين يطمح نادي المثنى إلى تحضيرهم هم فئة قليلة بالقياس إلى عدد السكان قد تكون في حدود الربع. وقد استندت في هذا التقدير إلى أن أساتذة القومية العربية وشيوخها كانوا يرشحون العراق ليكون بروسيا العرب أي قطب وحدتهم وأساسها. فلا يُعقل أن تكون نسبة البداوة بين السكان أعلى من ذلك، وقد وجد نادي المثنى أن من واجبه تحضير البدو كي تكون قاعدة الوحدة العربية أمتن وأصلب. تلك كانت تفسيرات فتى في سن المراهقة يفتقر إلى النضج، كما إلى المعلومات ليعرف الصحيح عن الوضع الاجتماعي للعراق في منتصف القرن العشرين. وقد تحقق لي أن أعرف العراق عن قرب في الثمانينيات إذ زرتُه عشرات المرات وعرفت حواضره، كما عرفت بواديه، فوجدت أن البداوة فيه أكثر مما ظننت وأن نفوذها أوسع من نفوذ الحضارة بكثير في مدنه كما في أريافه.

فإذا كان البدو من سكان البادية أو الريف، فلا يعني ذلك أن الحضر هم سكان الحاضرة أو الحواضر وجوباً، فقد يكونون بدواً ولو أقاموا في الحواضر. وقد ظلت هذه المسألة تقلقني ولا أعرف حكمها الصحيح إلى أن زرت مرة عالم الاجتماع العراقي الكبير الدكتور علي الوردي في منزله ببغداد، فكان رأيه أن المعوّل عليه للفصل بين البدو والحضر ليس «المكان» بل الروح والقيم والسلوك ومنظومة الحياة بوجه عام واستناداً إلى هذا المعيار يمكن أن يسكن البدو المدن ويظلوا بدواً في أعماقهم. وذكرت للوردي يومها أننا إذا اعتمدنا هذا المعيار يكون الحضر في العراق، وليس البدو، في حدود الربع، أي عكس ما ظننته وأنا طالب في مقاصد صيدا، ولا يمكن تعديل هذه النسبة لبلد يرشحه أشقاؤه العرب ليكون قاعدة وحدة العرب، إلا إذا خرجت كليات العلوم سنوياً فيه عشرات الألوف، وهذا غير متيسر بالطبع، فلا حول ولا قوة.

كان الحديث ذا شجون مع الوردي ومع عالم اجتماع عربي آخر مختص بالعراق الحديث هو الدكتور حنا بطاطو الذي عمل أستاذاً في جامعة بيروت الأمريكية قبل أن يغادر إلى أمريكا. فقد سألته مرة وكانت بيننا مودة، عن موضوع البدو والحضر وعن الفيصل في التفرقة بينهما، فكان رأيه مماثلاً لرأي الوردي وهو أن العبرة لا «بالجغرافيا» بل «بالسيرة الذاتية»، وهو أن البدوي قد يقيم في حي راقٍ من أحياء الحاضرة، ويظل مع ذلك بدوياً!

لا أعرف شيئاً عما حصل لنادي المثنى بعد ذلك ولا ما الذي حصل على الخصوص لبقية برنامجه، ولكني اعتبرت أن حلمه بتحضير البدو قد خاب ولم أعد أذكر شيئاً عن بقية أحلامه.

حلم عراقي آخر، متواضع هذه المرة خاب أيضاً يتمثل برغبة أبداها يوماً رئيس وزراء عراقي بتمضية سنواته الأخيرة في قرية من قرى جبل لبنان، ولكنه اغتيل بعد إبداء هذه الرغبة بأسابيع قليلة. رئيس الوزراء العراقي القتيل هو الدكتور عبدالرحمن البزاز الذي شغل هذا المنصب في الستينيات زمن عبدالسلام أو عبدالرحمن عارف. كان البزاز عروبياً مستقلاً أو عروبياً ناصرياً على الأرجح. وكان العراق في تلك الفترة يغلي بالعصبيات والانقسامات والصراعات على أنواعها، كما كان البزاز مثقفاً ومفكراً معاً له أبحاث وله دراسات. وكل ما أذكره الآن أني قرأت له مرة حديثاً صحفياً ذكر فيه أنه يحلم بأن يمضي بقية حياته في إحدى قرى جبل لبنان، وأنه يريد أن ينصرف إلى القراءة والكتابة والتأمل وهذا ما يؤمنه له بيت ريفي في لبنان ولا يؤمنه له أي مكان آخر في العالم العربي. اغتيل البزاز بعد ذلك. شقيق له التقيته في بغداد مرة فهمت منه أن البعثيين قتلوه كما قتلوا كثيرين سواه وأياً كان الذي قتله فقد حزنت عندما علمت بما حصل له، وما زلت إلى اليوم أشعر بالحزن كلما تذكرته وتذكرت حلمه البسيط المجهض الذي يتلخص بمكان آمن يتيح لصاحبه أن يقرأ ويكتب ويتأمل ويصلي ويهبط إلى بيروت بين وقت وآخر لزيارة المكتبات ولقاء الأصدقاء والعودة لاحقاً إلى منزل القرية اللبنانية الآمن والآمنة، وهو ما عزّ وجوده سواء في العراق أو في سواه من الأقطار العربيّة التي علا فيها صوت الرصاص والمعارك التي ذهبت سدى على أصوات العقل والرشاد والمنطق والخطط والعلم. وها نحن نجد أنفسنا بعد عصر من الحماقات فقراء في كل شيء وفقراء إلى كل شيء.

حول الحلم الأول أودّ القول إن البداوة والحضارة موجودتان منذ وجد تاريخ العرب إلى اليوم، وأنهما ساهمتا معاً في صنع هذا التاريخ، وأن البداوة بالذات حنين لا ينطفئ في ذات العربي، ويمثل هذا الحنين أروع تمثيل أبو الطيب المتنبي الذي رغم إقامته بين الحضر ظل بدوياً يرى أن حسن الحضارة مجلوب بنظرية وأن في البداوة حسناً غير مجلوب. أما الحضارة فغاية تتطلبها أحلام العروبة والتقدّم والحداثة ولا مفر منها.

أما حلم عبدالرحمن البزاز المجهض أو الموؤود فكل ما بقي منه حسرة في النفس، وترحم على كل الشرفاء الذين قضوا في مرحلة الجنون التي سادت وانتهت إلى ما انتهت إليه، والثناء على القرية والبيئة اللبنانية التي كانت مشتهى النفس والعقل والقلب وما تزال كذلك إلى اليوم.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .