دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 24/6/2019 م , الساعة 4:53 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

هل تحتمل إفريقيا هدير الليبرالية ؟

هل تحتمل إفريقيا هدير الليبرالية ؟

بقلم / منى عبد الفتاح -  كاتبة سودانية

ظلّت الممارسة السياسية في إفريقيا، لزمنٍ طويل، شفاهية مثل ثقافتها وأدبها، فقد عاشت هذه المجتمعات المتشابهة إلى حدٍّ بعيد مع بعضها البعض قروناً على الاتصال الشفاهي. ومثلما اختزنت في مرجعيتها الثورية ثمة تلويحات أدبية سياسية إبان الاستعمار، تفعل ذات الشيء مرة أخرى للتحرّر من حكم الديكتاتوريات. ولو لم تكن هذه التلويحات شفاهية في غالبها لأتت في طليعة أفضل المفاهيم لتعريف الممارسة السياسية في القارة السمراء. لكن قلّة منها عُنيت بالملامح التي وضعها المستعمر بلغاته، بل إنّ من ذلك القليل ما بدا أصيلاً لكتابته بتلك اللغات لولا أن تخللتها اللغات المحلية.

وبهذا الإرث المعقّد، نالت أغلب الدول الإفريقية استقلالها في ستينيات القرن الماضي، وصادف أن تحرّك ساكن الموجة الثالثة من الديمقراطية، في تلك الحقبة فألفى عدد منها يصارع أنواءها مع المتصارعين. ولكن كانت الردّة سريعة إذ بدأت الانقلابات العسكرية تسري عدواها في القارة الإفريقية ابتداء من ذلك الوقت. أما بقية دولها فقد أدركت الموجة الرابعة للديمقراطية التي شملت ثورات الربيع العربي في جزئها الإفريقي، والتي تحقّقت بإرادة الشعوب ولكن الضغوط والتدخلات الغربية حولتها إلى نظمٍ بلا ديمقراطية حقيقية.

ومثلما تُراجع ثقافتها بعد ما يزيد على نصف قرنٍ من استقلالها، لا زالت الدول الإفريقية تختبر الديمقراطية دون أن يكون بحوزتها مرجعية من أي نوع أو ممارسة حقيقية لها. وقد يصل الاضطراب إلى درجة الفوضى في بلدان تحكمها الديكتاتوريات وعندما تحاول تطبيق الديمقراطية تتخلّق تجارب بعيدة عن النزاهة والشفافية، لا تعترف فيها المعارضة بالنتائج المعلنة للانتخابات. وغالباً ما يقوم الحزب الحاكم بالتزوير، فتنتج أنظمة يكتمل فيها الشكل الديمقراطي، لكنها تعاني الاحتقان السياسي بسبب اكتفائها بالشكل دون جوهر ومضمون الديمقراطية.

لعلّ طول العهد بالاستعمار جعل المواطنين غير واثقين من حكم أنفسهم، كما أنّ بقايا النُظم العشائرية والقبلية لا زالت راسخة في قارة تعاني من العنف العرقي والسياسي الذي يشكّل ملاذاً لحلّ الخلافات. فلم تستطع شعوب القارة بعد، تجاوز حواجز الإثنية والجهوية، التي لا تزال تنخر النسيج الاجتماعي. وكذلك ما رسخ من اعتقاد أنّ مسؤولية الاستبداد في إفريقيا تقع على النظام الاستعماري الذي دأب على دعم الديكتاتوريات، حتى أضحى الطغيان قدراً مسلّماً به.

والديمقراطية لا تتنزّل كنظريات ضخها الغرب الذي لا يزال في نظر الأفارقة استعمارياً إمبريالياً، ولا يجب اختزالها في صندوق الانتخابات فقط، رغم أنّها (الانتخابات) تشكّل ضلعاً أساسياً من أضلع الديمقراطية. ولكن نجد أنّ عملية إقامة الانتخابات والتي هي شكل واحد من أشكال الديمقراطية، قفزت متقدّمة على إقامة المؤسسات التي تجسّد قيم الديمقراطية وتقيم نظامها بالممارسة. وإلى ذلك، يُشترط نزاهتها حتى لا تكون عُرضة لهيمنة رأس المال وعدم تكافؤ الفرص واستغلال النفوذ والإعلام الرسمي، وحتى تتمكن من تحقيق فكرة العدالة في الحكم بأكبر قدر ممكن. وبالرغم من خوض الشعوب الإفريقية الصراع على السلطة عقب خروج المستعمر مباشرة، فلم تكن الدروس الناتجة عنه مجانية؛ إذ سالت من أجل أن يبقى الحكام في مواقعهم من القصر حتى القبر، دماء وأحلام بأوطان حرة لم تتحقّق بعد.

في ربيعها الأسمر بدت الشعوب الإفريقية تواقة إلى الديمقراطية دون أن يكتمل شرط الإيمان الحقيقي بها. فهناك نقاط كثيرة تفسّر خطأ الممارسة. فغير الإسقاطات الغربية هناك استفهام قائم عن مدى تكيّف الديموقراطية في المجتمعات الإفريقية بالممارسة. إذ كيف يكون التطبيق معافى في مجتمعات تسود فيها قيم سلبية مكبِّلة، وتهيمن عليها الطائفية والإثنية. فمن غير مؤسسات ديمقراطية راسخة تطبق دولة القانون، وتحترم الدستور فإنّ هذه الشعوب ستظل تنادي بالقيم الديمقراطية كقيم مرتجاة وشعارات متبناة.

المشكلة في إفريقيا، بالإضافة إلى عُسر مخاض الوصول إلى الديمقراطية، هناك عملية المحافظة عليها. حيث تمثّل دول منها حالة التوجّه نحو الاستبداد بعد الديمقراطية، وكمثال لذلك مصر حديثة العهد بها، والتي استبدلت بالديمقراطية ديكتاتورية شاملة. وفي الجهة الأخرى يبرز مثال تنزانيا التي كانت من أكثر الديمقراطيات استقراراً في إفريقيا، حيث طبقت الديمقراطية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، ولكنها لا تزال تعترضها إشكاليات بنيوية وإجرائية تتعلق بالسياق الجيوسياسي والاقتصادي. كما أنّه منذ عدة أشهر، استهدف الرئيس جون بومبيه ماغوفولي الذي تم انتخابه في أكتوبر من العام 2015، خصومه السياسيين، وهاجم الصحفيين، وأغلق القنوات الإخبارية. ورغم اتخاذه قرارات حاسمة في مكافحة الفساد وتوجيه البلاد نحو الإصلاح، إلّا أنّ اعتداءه على حرية التعبير والحقوق السياسية يثير انتقادات دولية، فقد كشفت منظمة مراسلون بلا حدود عن أنّ تنزانيا تأتي في المرتبة الثالثة والثمانين.

في إفريقيا سواء تحقّقت الديمقراطية أم لا، فإنّ صلاحيات أجهزة الدولة تنزوي لصالح محاباة المقربين، وتُستغل المناصب لدرجة يصبح معها الحكم أقل رسمية ويتحول الولاء للزعيم سواء جاء عبر انتخاب أو على ظهر دبابة. وفي هذا النشاز الديمقراطي لا تختلف إفريقيا عن أمريكا صاحبة الديمقراطية الراسخة. أحدثت الموجة الديمقراطية الرابعة، والتي تُعتبر هجيناً من الليبرالية التقليدية وما يتم منها بإملاءات وضغوط الدول العظمى، أحدثت خمسة تأثيرات واضحة على ممارستها في إفريقيا وهي:

أولاً: تخلّي السياسات الديمقراطية عن الاعتدال، حتى في معاقل الديمقراطية في الغرب، حيث أصبح استعمال السلطة التعسفي في تزايد مطرد. ومن الطبيعي أن يتحوّل ذلك في بلدان حديثة عهد بها كما في إفريقيا إلى كابوس يصل فيه العنف إلى صناديق الانتخابات.

ثانياً: عدم إدراك الديناميكيات السياسية، كونها غير مألوفة في الدول الإفريقية، مع الافتقار إلى مرجعية تاريخية من المفترض أن تكون قد قامت بتوثيق مخاض الديمقراطية وطريقها الطويل الشاق. فالتجارب الديمقراطية الأصيلة مهما كان تواضعها تزداد أهميتها لحاجة القارة لنماذج إفريقية خالصة تحتذي بها شعوبها بدلاً من الاكتفاء بالتطلّع لتجارب الدول الغربية.

ثالثاً: عدم وجود أجسام إقليمية تعمل على رسم الطريق والإصلاح المؤسسي المستمر لأجهزة الحكم. فالاتحاد الإفريقي لا يملك حل جميع التحديات التي تواجه القارة، ولم يسعَ طيلة وجوده لتوفير أساس قوي يمكن من خلاله تعزيز فاعليته مما يمّكن شعوب القارة من الوثوق به.

رابعاً: يخيّم على هذه الموجة سجال شعبوي يعلي من شأن النظام الاقتصادي كمحدّد للنظم السياسية، ويثير الرهبة من التحول الديمقراطي المباشر.

خامساً: اتباع نموذج «الخروج المتفاوض عليه»، لإحالة الديكتاتور إلى تقاعدٍ إجباري دون محاسبة واستبداله بتدخل عسكري كما في حالة زيمبابوي. في الواقع أنّ هذه القاعدة تقوّض أي مفاوضات من أجل ديمقراطية حقيقية. وسواء كان مقرّراً للحاكم المكوث عامين أو عقدين من الزمن، فإنّ النتيجة هي ذاتها لأنّه عندما يتم المجيء به وتسليمه السلطة يترعرع لديه الحافز لاستهلاك الوقت وعدم تقديم أي تنازلات من أجل إقامة نظام ديمقراطي حقيقي.

قد تكون فترة هذه الموجة حاسمة، ولكنها أيضاً فرصة للابتعاد عن القراءة الراديكالية للاختلافات بين إفريقيا والنظام الدولي القائم. وهذا من شأنه أن يبطل استعجال تطبيق الديمقراطية لتحقيق هدف يتمناه الأفارقة وهو دخول النادي الديمقراطي العالمي، تشبّهاً بالغرب وبشكلٍ لا يحلّ مشاكل إفريقيا، بل سيعمل على إطالة أمد الكفاح من الداخل. إذن المطلوب هو حراك مجتمعي سياسي بآليات وأدوات مختلفة، تتشابك وتتفاعل من أجل إحداث التغيير السياسي المنشود. وإن كانت حركات النضال الشعبي في دول الجنوب معادية للإمبريالية كما أشار إلى ذلك المفكّر المصري العالمي سمير أمين، فإنّ الفرصة الذهبية هي إقامة ديمقراطية بخصائص إفريقية.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .