دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 30/6/2019 م , الساعة 3:24 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

رسوخ الديمقراطية في تركيا

رسوخ الديمقراطية في تركيا
بقلم - طه خليفة

لا يهم من فاز، ومن خسر، في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في تركيا، هناك فائز وحيد في هذا البلد، دون أن يكون هناك طرف منافس خاسر أمامه، وهو الديمقراطية.

من حق الأتراك، مؤيدين ومُعارضين، أن يعيشوا الأفراح، فكلهم منتصرون بالعرس الانتخابي النزيه في بلدهم، والذي يرسّخ قواعد النظام الديمقراطي العام، ويجعله عصيّاً على السقوط أو الانكسار.

فوز أكرم إمام أوغلو برئاسة بلدية إسطنبول شهادة للديمقراطية التركية تضعها في مصاف الديمقراطيات في أوروبا وأمريكا وكل العالم الحر، فهو مرشح المعارضة الذي فاز بالرئاسة مرتين، يوم 31 مارس الماضي، ثم في انتخابات الإعادة 23 يونيو، وأن يفوز مرشح المعارضة، فهذا يعني نزاهة وشفافية العملية كلها، وحياد الحكومة رغم أن المرشح المنافس ل أكرم ينتمي إلى الحزب الحاكم، وأن يُهزم هذا المرشح مرتين فهذا تعزيز لصلابة البنيان الديمقراطي الذي يتواصل ارتفاعاً وقوة منذ وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في 2002، حزب رجب أردوغان، وقادة كثر فيه أثبتوا أنهم مخلصون للحكم الديمقراطي الرشيد بعكس ما يحاول بعض العرب تشويه هذه الصورة الناصعة، وهذا عجيب ممن يفعلون ذلك، وهم لا يعرفون عن الديمقراطية شيئاً في بلدانهم، ويعيشون تحت الحكم المطلق.

أثبت الشعب التركي والنخب التي تقوده أن لهم من الحداثة والتحضر نصيباً كبيراً، فلم يغضبوا عندما قررت اللجنة العُليا للانتخابات إعادة التصويت على رئاسة بلدية إسطنبول بسبب خروقات رأت أنها تضرّ بنزاهة العملية، لم يكن هناك غضب أعمى يسعى لهدم المعبد الديمقراطي على رؤوس من فيه بمحاولة استدعاء تدخّل عسكري وأمني، وتحريض أطراف خارجيّة، هذا الأمر لم يعد يرد في الذاكرة الجمعية السياسية والشعبية للنخب والعقول والشخصيات المفكرة القائدة في هذا البلد، فهم يدركون أنه لا مخاطر للديمقراطية بجوار مخاطر الإطاحة بها وجلب الاستبداد والحكم العسكري.

جرّب الأتراك حكم القبضة الحديدية مرات عديدة وتوصلوا في النهاية إلى النتيجة الطبيعيّة وهي أنه لا يعلو على تحكيم إرادة الشعب في اختيار حكامه وممثليه إرادة أخرى، ولهذا قاوم الشعب وأحزاب المعارضة قبل الحزب الحاكم مغامرة الانقلاب العسكري الفاشل منتصف يوليو 2016، وتقريباً تمّ قطع دابر فكرة الحماقة العسكرية بالانقلاب على قرار الشعب وإعادة عجلة الحياة المدنيّة والتطوّر الاقتصادي والسياسي إلى الوراء سنوات طويلة.لم يخسر الأتراك شيئاً عندما ثار جدل حول حقيقة فوز إمام أوغلو في المرة الأولى فقد أُعيدت الانتخابات في أجواء تنافسية جادّة، وأكد أوغلو فوزه بفارق ضخم من الأصوات، وهنأه خصمه بن علي يلدرم، كما هنأه أردوغان، ولإكمال الصورة الحضاريّة لشعب وبلد عريقين فقد خاطب أوغلو الرئيس أردوغان بأسلوب سياسي راقٍ ومهذب وعرض التعاون من أجل مصالح المواطنين وازدهار إسطنبول العاصمة الاقتصادية لتركيا.

خطت تركيا خطوات واسعة للأمام على طريق الإصلاح السياسي والديمقراطي، فهي تشهد انتخابات محليّة ونيابيّة ورئاسيّة، وكذلك استفتاءات دستورية، تمثل محطات مضيئة في ديمقراطيتها، كما تطوّرت اقتصادياً، ولا تزال تواصل تجربتها التنموية الناجحة رغم بعض العوائق، فليس هناك اقتصاد يأمن على نفسه تماماً من العثرات.

إذا لم يكن هناك ديمقراطية حرة في تركيا، فمن كان سيتيقن من حقيقة توجهات الشعب في اختياراته؟، ومن كان سيقرأ الدرس الشعبي الانتخابي ويتفحصه جيداً ويسعى لتلافي السلبيات وعلاج الإخفاقات؟، وهذا ما تنبّه إليه فعلاً الحزب الحاكم وتحدّث عنه أردوغان بشجاعة، ودعا إلى ضرورة الإنصات لصوت الشعب.

قبل شماتة إعلام وإعلاميين عرب في أردوغان، عليهم أن ينظروا للوجه الآخر من الحقيقة، وهو النظام الديمقراطي الذي يزداد رسوخاً في تركيا، فهذه شهادة يعرفها ويقدّرها العالم الحر ل أردوغان وحكومته ونظامه بسبب احترامه للقيم الديمقراطية احتراماً حقيقياً وواقعياً وعملياً ممثلاً في نتائج هذه الانتخابات، وفيما سبقها من انتخابات تجري في ظل هذا النظام منذ وصوله للحكم قبل 17 عاماً.

السيد العربي الشمتان في أردوغان، هات لي ديمقراطية قريبة أو شبيهة بالديمقراطية التركية في النطاق العربي باستثناء محدود ل تونس مهد الربيع العربي والتجربة الوحيدة الناجحة فيه حتى الآن؟.

لم تتقدّم تركيا سياسياً ولم تنهض اقتصادياً إلا بالحكم الديمقراطي الرشيد، ولن يتقدّم العرب إلا عبر هذا الطريق، ولا طريق آخر غيره مهما حاول المُستبدّون خداع الجماهير بأنهم قادرون على صنع تجارب نجاح، فالنجاح لا يكون فردياً أبداً، ولا يتم احتكاره من جانب عقل واحد أبداً وبطانة نفاق حوله، إنما هو نتاج عمل جماعي لا فردية أو احتكار فيه، والجماعة التي تقود التطوّر لا بد أن يختارها الشعب بنفسه ويمنحها الثقة لقيادته وإدارته في انتخابات تنافسية عادلة وفق آليّات ديمقراطية صارمة.

هناك فريق من العرب يتربص بالديمقراطية التركية، ويتمنّى سقوطها، لكنه إذا دعا لوجودها في بلاده ومارسها فعلياً فإنه سيشعر بعائد ثمارها عليه وسيندم على ما كان منه في كراهيته للحكم الرشيد، وهناك فريق آخر متحمّس للتجربة لأنه حالم بأن يعيش مثلها في أوطانه التي لم يفلح الربيع العربي في وضعها على المسار الصحيح بسبب أعداء الديمقراطية وأصحاب المصالح وجماعات النفوذ والقوى الخارجيّة التي لا يعنيها ولادة ديمقراطية عربية بقدر ما يعنيها بقاء الاستبداد لتوليد منافع لا تنتهي واستمرار التبعيّة.

يجب التعقّل عربياً في النظر لتركيا ليكون ذلك من باب النظام الديمقراطي الذي يستظلّ تحته كل الفرقاء من مؤيدين ومعارضين، حكاماً ومحكومين، ولا يرضون عنه بديلاً، وهو سر تطوّرها واستقرارها وحضورها إقليمياً ودولياً.

كاتب وصحفي مصري

tmyal66@hotmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .