دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 4/6/2019 م , الساعة 5:10 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

السودان وانقلاباته العسكرية

السودان وانقلاباته العسكرية

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

للسودان تاريخ طويل مع الانقلابات العسكرية يؤهله لأن يحتل مرتبة مرموقة في عالم الانقلابات العسكرية العربية. فلا شك أنه يأتي مباشرة بعد سوريا وربما بعد العراق أيضاً. وقد كان انقلابيوه يسلمون بعضهم البعض السلطة بصورة شبه ودية تماما كما يسلم المدنيون السلطة لمن يخلفهم من المدنيين في الدول الديموقراطية. ذلك أن الشعب السوداني اختفى من المشهد السياسي واقتصر دوره عند الانقلابيين على الهتاف والتصفيق. فهو يهتف ويصفق لانقلابي جديد أراحه من انقلابي سابق أذاقه المر والعلقم. ومع الوقت لن يختلف الانقلابي الجديد عن سلفه غير المأسوف عليه، ولن يفكر بالطبع بإعادة السلطة إلى المدنيين بل يظل فيها بانتظار انقلاب آخر يتخلق في ضمير الغيب. لذلك استغرب المجلس العسكري الحالي مطالب قوى الحرية والتغيير الهادفة إلى أن يسلم هذا المجلس السلطة إلى المدنيين وأن ينصرف هو إلى مهمته المعروفة في العالم وهي حماية الحدود والدفاع عن الأمن الوطني. فهو لم يتعود من السودانيين إلا على الرضوخ والدعاء له بالنصر سواء في دارفور أو في سواها. وبدونه يغرق السودان في الفوضى وعدم الاستقرار.

ولا شك أنه لم يدر ببال الانقلابيين الجدد عندما انقلبوا على البشير وأيدوا الحراك المدني أنهم سيسيرون في الشوط إلى نهايته، وأنهم بالتالي سيعودون إلى ثكناتهم لتأخذ العملية الديموقراطية مجراها. ذلك أنهم اعتادوا على الحكم في السابق واعتادوا على تداول السلطة فيما بينهم تماما كما تتبادل الأحزاب السلطة فيما بينها في البلدان المتحضرة. واعتادوا بصورة خاصة على حسن الاستقبال من السودانيين عقب كل انقلاب.

فمن أين أتى هؤلاء المجهولون الذين يحاسبونهم اليوم حسابا عسيرا، ويرفعون الشعارات المرة بوجههم في حين أن الشعب السوداني لم يعودهم سابقا إلا على حسن الاستقبال، فكيف يقابلهم اليوم بالمظاهرات والإضرابات ويهددهم بالعصيان المدني؟

إن من استمع إلى المؤتمر الصحفي لحميدتي، وهو الرجل الثاني في جماعة الانقلاب، تأكد له أن كل شيء وارد عنده أو عندهم، ما عدا التخلي عن السلطة للمدنيين، بل إنه كاد يطرح على جماعة الحراك المدني سؤال القذافي الشهير: من أنتم؟ بالفعل من يكون هؤلاء الفتيان العزل من السلاح، ولكن الممتلئون أحلاما وخططا ومشاريع ورؤى لمستقبل بلدهم وازدهاره؟ وكيف يتخلى عن السلطة من بيده السلاح، ومن يعرف إغراءات السلطة ومغانمها وفرصها وما تهبه للحاكم من إمكانات مادية وغير مادية؟ إحدى غرف قصر البشير كانت تحتوي على عشرة ملايين يورو ورقية ينفق منها على مصروفه اليومي ومصروف نسائه. تُرى ما الذي تحتوي عليه حسابات البشير ونسائه في البنوك في الخارج؟

على أن الأمر يتجاوز كل ذلك إلى الرياح الخارجية التي هبت وتهب على السودان في الوقت الرهن. فلا شك أن هناك قوى خارجية، إقليمية ودولية تفضل أن يكون للسودان حاكم مطلق الصلاحية تعود إليه وتتفاهم معه، أو تطلب منه ما تشاء، وينفذ لها ما تأمره به، على أن يكون للسودان نظاما ديموقراطيا ورئيس جمهورية ومجلس وزراء على الطريقة المعروفة. ثم إن النظام الديموقراطي من شأنه أن يشكل حالة عدوى للجيران الأقربين وغير الأقربين، وهو ما لا يريده كثيرون في الخارج يفضلون أن يكون البلد محكوما من شخص واحد لا من نظام ديموقراطي برلماني يكون هاجس الحاكم فيه رضى الشعب لأنه سيعود إلى هذا الشعب عقب انتهاء ولاية مجلس النواب.

إن سلطة الشعب وسيادة الشعب في السودان يمكن أن تهدد السلطة في بلدان أخرى تعتمد حكم الشخص الواحد. لذلك من مصلحة قوى كثيرة مجاورة للسودان أو بعيدة عنه أن يكون للسودان «بشير» دائم معه عصا يهش بها على غنمه ويضبط بها الوضع في بلده ويستمر في حروبه الداخلية بلا كلل ولا ملل. أما الحروب من أجل الديموقراطية والتنمية والعدالة في الداخل فلا لزوم لها لأن السوداني مجرد كائن مزروع على النيل مثله مثل شجره ونباتاته ولا حاجة له ليشغل باله بهما إلا بما اعتاد عليه منذ أيام الفراعنة إلى اليوم.

يوم سوداني آخر ينبغي التنويه به غير يوم الانتصار على البشير، هو يوم الضابط هاشم عطا الذي تسلم السلطة في السودان لفترة محدودة جدا وعد في أولها شعبه بأن يعيدها إليه في وقت حدده، وقد وفى بوعده، وبعد ذلك عاد إلى بيته وعاش حياة عادية بسيطة كأي سوداني إلى أن توفي قبل سنوات قليلة مزودا باحترام شعبه وتقديره الذي لم يظفر بمثله سوى قلة قليلة من عظماء التاريخ وأشرافه ولكن هذا الضابط الشريف حالة استثنائية بين ضباط الجيوش والانقلابات في العالم الثالث، أما الحالات المألوفة فهي ما يعرفه الجميع وما هو ماثل في السودان الآن من تداول للسلطة بين العسكريين لا بين المدنيين وحتى لو أمكن الوصول إلى تسوية بين المجلس العسكري والحراك المدني فهذه التسوية لن تكون سوى تسوية مؤقتة وهشة بانتظار عودة الأمر إلى أصله، أي عودة الحاكم الفرد مع عصاه ومع برنامجه الذي لا يختلف عن برنامج أي انقلابي آخر عرفه العالم الثالث.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .