دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 4/6/2019 م , الساعة 5:10 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

فساد على ضفاف النيل

فساد على ضفاف النيل

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

قامت حضارات العالم على ضفاف الأنهار، فكانت حضارات آسيا التي امتدّت على ضفاف أنهار أندوس وكانكز واليانج ودجلة والفرات. أما في إفريقيا فكانت ضفاف النيل مسرحاً آخر للحضارة النيلية القديمة، تشكّلت منها ملامح الحضارة النوبية في شمال السودان وجنوب مصر. ولا أحد يجادل فيما يمكن أن يحدثه تأثير الأنهار وبخاصة نهر النيل العظيم على الحياة، فمنذ القدم ارتبط بالزراعة والتنقل من مكانٍ إلى آخر، بالإضافة إلى ارتباطه الوثيق بالمعتقدات الدينية واعتماد الناس عليه في كل أشكال الحياة الأخرى.

وفي عالم اليوم دخلت الثروات المائية قضايا الأمن القومي واستراتيجيات التنمية. وإذا كانت ثمة حروب دولية أو إقليمية قادمة فستكون بسبب المياه. ففي تقريرٍ لمنظمة الأمم المتحدة للبيئة بمناسبة اليوم العالمي للمياه الذي يوافق 22 مارس من كلّ عام، ذكر أنّ أكثر من نصف العالم سيعيشون سنة 2032م في مناطق تعاني نقصاً كبيراً في المياه بالرغم من أنّ كمية الماء المتوفر تكفى لتلبية احتياجات العالم كله، ومع ذلك لا يزال أكثر من مليار نسمة محرومين من المياه الصالحة للشرب والاستعمال المنزلي، وهو الرقم الذي سيبلغ 1,8 مليار في عام 2025م، إذا فشلت القرارات السياسية والاقتصادية في إدارة قضية المياه.

يتكرّر في مصر، خذلان منظومة الدولة للشعب، بشكلٍ غير قابل للاستيعاب ولكنه يأتي في إطار الأمر الذي استطاع الحكّام تحويله إلى واقع. وهذا الواقع هو أن أصبح مسلسل الخذلان مستمرّاً وعمّ مؤخراً قبيلة المزارعين والفلاحين الباذلين دوماً جهدهم في معانقة الهمّ العام، وأحزان البلد.

في بلدٍ كمصر تُعتبر الزراعة عمود اقتصادها القومي، تفوح تهم الفساد من أعلى مستوى بوزارة الزراعة، حتى هيئات السلع التموينية، ليصدق هذه المرة قول عبدالرحمن الأبنودي: «أخشى أن أستيقظ من نومي ذات يوم فأجد الريف المصري بدون أرضٍ زراعية». فملف الفساد الزراعي الذي تم فتحه في عام 2015 وحده بلغ 155 ألف فدان، بقيمة 60 مليار جنيه، واستخدم في ذلك الملف جميع سبل التزوير الممكنة بواسطة بعض القيادات، تحت سمع وعلم ثلاثة وزراء تعاقبوا على وزارة الزراعة.

ومنذ ذلك التاريخ تتوالى تهم الفساد وكأنّها مهمة تم توزيعها على عجل. الهيئة العامة للسلع التموينية أكبر مشترٍ للقمح في العالم، ولا تكتفي بتلك المنقصة بالنسبة لبلدٍ زراعي، وإنّما تقوم بأكبر من ذلك. فقد قامت وزارة التموين المصرية بشراء محصول القمح المحلي من المزارعين، حيث أُعلن أنّه خمسة ملايين طن بينما المحصول الحقيقي هو أقرب إلى ثلاثة ملايين طن، ولكن تم تضخيمه في سبيل الحصول على مزيد من أموال برنامج توريد القمح.

كلّف الفساد في شراء القمح المحلي، مصر سبعين مليون دولار على الأقل وكانت التفاصيل مبذولة على الصحف الورقية والإلكترونية، ولكن ما يلفت النظر دوماً أنّ الفاسدين يستهدفون المواطن المسكين في لقمة عيشه، وكأنّهم على عهدٍ مع الطغاة لا يخلفونه أبداً. كل مذكرات الفساد ليس فيها أثر لظلم أو استقواء يقع على صاحب سلطة أو مال أو جاه.

عندما نكتب عن مصر تجيء الإشارة بلا استئذان إلى السودان. وإن كانت الزراعة من أهم الموارد الاقتصادية في مصر، ففي السودان هي الأهمّ على الإطلاق، وذلك لعوامل التربة الخصبة والأمطار الغزيرة ومياه النيل العذبة التي يغرق جراء فيضانه الناس ولا يرويهم. وبالرغم من كل هذه العوامل التي يُعدّ فقدانها سبب فقر لبعض البلدان، ويا للمفارقة أنّ هذين البلدين ومع وجود هذه المقومات من أعلى بلدان العالم الثالث استيراداً لمحصول رئيسي هو القمح.

لا عيب في وادي النيل المعطاء ولا المزارعين البسطاء الكادحين، ولكنه الفساد المستحكم، في جسد السلطة. وكوارث الزراعة جراء الفساد تتوالى، ففي الموسم الزراعي لعام 2008-2009، قام البنك الزراعي في السودان باستيراد تقاوى (بذور) زهرة عباد الشمس الفاسدة التي أدت إلى فشل زراعة (850) ألف فدان، مما أدى لاستيراد البلاد لزيوت بتكلفة (200) مليون دولار، وبالطبع وقع الضرر على المزارعين الذين ما جنوا غير السراب، وفي نفس الوقت دخلوا في مديونية للبنك.

ثم جاءت تقاوي القمح الفاسدة التي أفشلت موسم 2012- 2013، لتزيد من كشف لحجم الفساد في القطاع الزراعي، وتكشف من ناحية أخرى السبب في إلحاق الخسائر المادية من صرف المزارعين على تحضير الأرض وشراء المدخلات الزراعية والجهد البدني والعناء النفسي مع مماطلة المسؤولين. وبسبب الفساد قفزت واردات السودان من محصول القمح من 21.8 مليون دولار عام 1990 إلى 800 مليون دولار عام 2012. وأدى تدفق القمح والدقيق المستورد إلى ارتفاع الاستهلاك من 1.5 مليون طن إلى 3 ملايين طن في العام. كما تجاوز حجم الاستيراد السنوي للقمح بما يعادل مبلغ المليار دولار أمريكي في ميزانية 2014 في ظل عدم وجود أي أملٍ لإمكانية تحقيق السودان للاكتفاء الذاتي منه على المدى القريب.

كل هذا حدث في بلد تنبأت لها منظمة الأغذية العالمية في سبعينيات القرن الماضي بأنّها ستكون على رأس ثلاث دول هي المصدر الرئيسي للغذاء لبقية دول العالم، وهي بالترتيب: السودان وكندا وأستراليا. وبعد هذا التنبؤ حلّت بالسودان كارثة الجفاف والتصحر في العام 1983، ليتدفق العون الأمريكي إغاثة هي عبارة عن ذرة شامية تُستخدم علفاً للخيول الأمريكية، فسمى السودانيون ذاك النوع من الذرة قبل أن يكتشفوه بـ (عيش ريجان).

ليس هناك من مشكلة في النظام الزراعي في البلدين ولكن صاحبه الفشل على مرّ العقود الماضية عندما تمّ تحويله إلى نظامٍ إقطاعي قائم على حيازة الأرض، فالسيد الإقطاعي يتمثّل في شركات حكومية أو مسؤولين من جهة والمزارع المغلوب على أمره من جهة أخرى. وتراجع الإنتاج الزراعي في مصر والسودان ليس بسبب آفات الطبيعة وحدها وإنّما بسبب آفة الفساد، التي «طمت فمت بالبوار ولم تذر حقل الفقير ولا حمى المسكين»، أو كما قال جبران خليل جبران. حيث لم تتمكن حكومتا البلدين من إقناع الفلاحين والمزارعين بأن يكونوا الضحايا في كل مرة، كما لم تستطع إقناع المستثمرين بأنّ وادي النيل سيكون سلة غذاء أهله ناهيك عن أن يطعم العالم.

لم يركن الفلاح منذ أول قضية فساد، فكلّ ما يتعلّق به واقعي حد القسوة. يحاول اختصار كثير من الأوجاع، مع الحرص على فتح الوعي على حقيقة أنّ الوطن لم يعد كما كان. ليست السوداوية التي حاكتها الأوضاع السياسية هي وحدها التي تصده عن نثر الأسئلة في زوايا أرضٍ يفلحها، وإنّما للقضية أيضاً حزن يندرج تحت إثارة الحماس والهمة للنهوض بالوطن ومجابهة الصعاب كنوعٍ من التحدي.

لعلّ قضية الفساد مستشرية بشكلٍ عام ولكن بدرجاتٍ متفاوتة، فما يحدث في بقية دول العالم أقلّ بكثير مما يمكن حدوثه على ضفاف النيل، فلا شيء أدعى للبؤس والشفقة ممن يعاني الظمأ والجفاف، والماء يجري على بُعد أمتارٍ منه. حقّ لمن يقيمون على هذه الضفاف ويموتون عطشاً، التواري خجلاً، إذا لم يكن هناك ثمة إمكانية من التعبير عن إصلاح الأراضي واستزراعها من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والبيئية. ما يحدث في وادي النيل هو نوع من فشل إدارة الموارد وهذه هي الحقيقة التي تتجلى مجرّدة من أنّه ستتلاشى الحياة إذا استمر نضوب المياه أو عجز التفكير في كيفية استغلالها بسبب الفساد، وستتأثر بذلك أنشطة بشرية أخرى أو حضارية. ويتفق العالم أيضاً على أنّ تفاوت الأمم من حيث القوة والضعف مبنيٌّ على مواردها الطبيعية وكيفية الاستفادة منها وفي مقدمتها الموارد المائية.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .