دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 6/6/2019 م , الساعة 8:04 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

علاج عجز الجامعة والقمم العربية

علاج عجز الجامعة والقمم العربية

بقلم : د. علي محمد فخرو (كاتب ومفكر بحريني) ..

في عالم الطب توجد قاعدة أساسية مفادها: أنَ علاج عوارض وظواهر المرض دون استئصال جذوره وأسبابه لن يؤدي إلى الشفاء، بل قد يقود إلى موت المريض. تنطبق هذه القاعدة على عالم السياسة أيضًا، ومنها على الأخص عوالم السياسة في بلاد العرب إبان حاضرنا الكارثي الذي نعيشه حالياَ.

فالمؤسستان السياسيتان القوميتان الرسميتان الباقيتان في الواقع العربي تتعاملان مع أعراض وظواهر مرض مركب سرطاني عربي بالغ الخطورة بنفس أسلوب الطبيب المستهتر بصحة مريضة: محاولات بائسة لإطفاء حريق محلي في هذا القطر العربي أو ذاك، استعانة أو استقواء بجهات أجنبية استعمارية خبيثة بسبب عجزها، تضحية بقضايا ومصالح قومية عربية كبرى من أجل مصالح محلية مؤقتة متوهَّمة، استعمال انتهازي للمال العربي لتقديم الرشاوى أو الصرف ببذخ على حملات العلاقات العامة المغطية لكل قبح وتشوه، تجييش لقوى إرهابية متخلفة رافعة زورًا وبهتانًا لرايات الدين الإسلامي الحنيف في سبيل إسقاط هذا النظام أو ذاك، استزلام الموالين الانتهازيين بعطايا الاقتصاد الريعي.

كل تلك الممارسات، وغيرها الكثير الكثير من الممارسات اليائسة المسكنة المخفقة للعوارض وليست المعالجة لجذور وأسباب المرض، تتجاهل عن عمد أصل المرض العربي الحقيقي المتمثل في الرفض الطفولي من قبل الغالبية الساحقة من أنظمة الحكم العربية لقيام نظام مؤسساتي ديموقراطي قومي عروبي، وحدوي في روحه وتطلعاته، معتمد على مبادئ تضامنية واضحة وملزمة وعلى آليات عمل سياسية واقتصادية وقانونية وأمنية مشتركة، ذات كفاءة، وفاعلة وبصلاحيات واسعة، ممثل للحكومات من جهة ولقوى المجتمعات المدنية العربية وشعوبها من جهة أخرى، تتعايش فيه السيادة الوطنية القطرية مع السيادة الجمعية القومية.

قيام ذلك النظام لايمكن أن يتم إلا إذا انطلق من اقتناع بأن أمة العرب هي أمة واحدة وأن وطن العرب هو وطن واحد، وبالتالي فإن توحيد الأمة والوطن هو الهدف النهائي، حتى ولو تم على مراحل تدريجية وبخطوات واقعية مدروسة وبأساليب شرعية سلمية.

بدون مثل ذلك النظام لايمكن الحديث عن إرادة عربية قومية مشتركة. قادرة على دحر الأخطار الخارجية الهائلة، وعلى بناء تنمية عربية متناسقة المكونات ومتعاضدة القدرات، وعلى الوقوف كنِدٍّ صلب رادع أمام أية أطماع أو تدخلات إقليمية من جهة، وأمام المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني الإجرامي، وأمام دول أجنبية إمبريالية تسعى لابتزاز العرب ولتمزيق مجتمعاتهم وإدخالها في صراعات طائفية أو أثنية أو قبلية من جهة أخرى.

عند ذاك لن تكون مناقشات وقرارات الجامعة العربية أو القمم العربية إنشائية نظرية جزئية، معتمدة على قبول ومباركة من قبل هذه الدولة الأجنبية أو تلك. وذلك أنها ستكون مناقشات وقرارات معتمدة على طاقات الأمة الذاتية الهائلة بفضل دعم ومشاركة فعالة من قبل قوى المجتمعات المدنية العربية وملايين المواطنين العرب.

عند ذاك لن يحتاج المسؤولون العرب الذهاب إلى واشنطن أو لندن أو باريس لاستجداء العون والرضى، ولن يجرؤ أمثال كوشنر وبولتون وبومبيو وغيرهم من الصهاينة الجدد على تقديم مشاريعهم التآمرية وكأن أرض العرب قد أصبحت عقارًا يملكونه أو مزرعة يبيعونها.

لكن، دعنا نستدرك في الحال بأن وجود ذلك النظام، بمواقفه وقدراته وفاعليته تلك، سيعتمد على توفر شرط أساسي في الحياة العربية: انتقال جميع المجتمعات العربية من وضع الأنظمة السياسية المليئة بعاهات التسلط والفساد إلى رحاب نوع معقول متوازن حقيقي من الحكم الديموقراطي العادل في السياسة والإقتصاد والحقوق الإنسانية. ذلك أن وجود شرعية ديموقراطية وطنية هو شرط لوجود شرعية قومية جماعية.

لعل الخطوة الأولى الواقعية هي في إجراء تعديلات إصلاحية في ميثاق الجامعة العربية وفي نظام مؤسسة قمة الرؤساء العرب، تعديلات تؤدي إلى وجود هيئة مدنية شعبية، مماثلة للبرلمان الأوروبي، لها سلطات تشريعية ورقابية ومسموعة الكلمة، وذلك بموازاة التمثيل الحكومي الرسمي في مؤسستي الجامعة العربية وقمة الرؤساء العرب.

ليس المجال هنا للدخول في تفاصيل تكوُّن تلك الهيئة المدنية الشعبية، ولكن بشرط أساسي واحد وهو عدم اختيار وتعيين أعضائها من قبل الحكومات، وإنُما اختيارهم وتعيينهم من قبل قوى وشعوب المجتمعات المدنية.

من الضروري أن تقتنع أنظمة الحكم العربية بأنه، مثلما لايوجد أي تعارض بين وجود البرلمان الأوروبي المنتخب وبين جهات اتخاذ القرارات والتنفيذ الحكومية الأوروبية في بروكسل، فإن من الممكن بناء شيء مماثل في أرض العرب.

بدون وجود فاعل لصوت المجتمعات المدنية في تلكما المؤسستين القوميتيين ستظل المؤسستان في وضعهما الحالي المليئ بألف علة وعلة.

اعتقاد الكثير من أنظمة الحكم العربية بأنها الأقدر على إدارة الأوضاع العربية الهائجة المعقدة، في عالم خطر متغير بسرعات مذهلة، أثبتت الأحداث المأساوية العربية الأخيرة خطأه وقصر نظره وتضادّه الواضح مع أفكار وممارسات العصر الذي نعيش.

آن الأوان أن يتغير ذلك الاعتقاد وأن نلتحق بركب بقية العالم الذي يسير بخطى حثيثة، بالرغم من كل العقبات، نحو توازن معقول بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .