دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 9/6/2019 م , الساعة 5:36 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

له رائحـة..!

له رائحـة..!

بقلم : سامي كمال الدين (إعلامي مصري) ..

لهيبة أو لخوف منه لا نريد أن نكتب عنه.. أو ربما لكي ينسانا.. يبتعد عنا.. يبتعد عمن نحب، لكننا ندرك أنه قادم لا محالة، إنه الحقيقة الوحيدة في هذا الكون، وهو سر تناولته كل الأديان السماوية، التي نؤمن بها، ووقفت أمامه كل النظريات العلمية حائرة.

لحضوره مهابة، ولحدوثه حزن، قد نمر به في حياتنا ولا يكتمل، وقد يكتمل لتكون النهاية التي لا نعيش ما بعدها، وأغلبنا يحلم بعودة أحد من هناك، ليحكي لنا ما رأى، ويخبرنا عن هذا العالم القريب/ البعيد منا، وليقص علينا ما قرأناه في القرآن والسيرة، وما عرفناه من حكايات وأحاديث الأولين. لكن أحداً لم يعد ولا أخبرنا.

صعد الإنسان إلى القمر، وعاد لكن ما إن صعدت روحه، لم يعد.

فقدت كثيراً ممن عرفت، وممن اقتربت، وممن سكنوني، وممن شاهدتهم عابرين في حياتي، ومع كل فقد كنت أتساءل عن هذه الحقيقة الموجوعة، وعن سر الأبدية.

رأيت الموت في وجوه كثيرة قبل أن تموت، لمحته في وجوه رفقائي في ميدان التحرير عام 2011 وفي شارع محمد محمود 2011 و2012

شممته تحت بيادات عساكر الأمن المركزي، وضربات ضباط الجيش بكرابيجهم الكهربائية، وقبل ذلك حين كنت أغطي حرب لبنان 2006.. كنت أعلم به، كنت أعرفه.. كنت أشتم رائحته، فللموت رائحة أعرفها كثيراً، وكلما زاد اقترابها زاد يقيني بها.

منذ طفولتي ورحيل جدتي التي كانت تخبئ لي الحلوى حتى أعود من لهوي، وقبلها رحيل جدي الذي كنت أطارده في كل مكان كطفل شقي يلهو معه، وأنا أعرف تلك الرائحة.

اشتممتها حين رحل عمي في مستشفى العجوزة العسكري، حيث كان جندياً في الجيش، وفي عم أمي الذي كان عمدة البلدة، وكنت أظن أن الموت يخاف منه لجبروته وقسوته، وخوف العمال الذين يعملون في غيطانه من حضوره، واستخدامه عصاه الغليظة في الاعتداء على من يشاء.

جربته ذات يوم على ساحل البحر الأحمر في مدينة الغردقة حين وجدتني في وسط الماء، لا شيء معي سوى الله، ويدان تلوحان له من بعيد أن أنقذني، وبينما أهوي تحت الماء، ولا أجد لقدمي مستقراً، كان هناك منقذ يسحبني إلى أعلى، رغم مرور أكثر من عشرين عاماً على هذه الحادثة، إلا أني ما زلت أذكره، وفي رقبته سلسلة معلق فيها رمز مفتاح الحياة الفرعوني، لست أدري هل هي مصادفة أم رسالة؟!

قبل ذلك بسنوات اشتممت رائحته أيضاً، وفي مياه، لكنها لم تكن مياه بحر، كانت مياه نهر النيل، حيث نشأت في جنوب مصر، تلك المساحات الخضراء التي لا أفق لها، وذلك النيل الذي يأخذ راحته في الاتساع والتمدد، وتلك القنوات والترع المتفرعة منه لتسقي هذه المساحات التي بلا حدود، وحيث الوجوه الطيبة البسيطة في حياتها وأحلامها، والتي تعيش من زرعها ونهرها، هوى الطفل ذو السبع سنوات الذي يسبح ويلهو مع أقرانه في الماء، فقام صديقه حسن سليم، الذي يكبره بعدة سنوات بانتشاله من الغرق.

كنت في زيارة لأصدقاء في قرية مجاورة، مع ابن عم لي، وأثناء عودتنا أردت قضاء حاجتي، وفي المسافة بين القريتين، ليس إلا زرع وخط السكة الحديدية، ونزلت بالفعل على شريط القطار، ربما لكي أحافظ على الزرع من التلوث، وإذا بالخط الذي أقف عليه يمر عليه قطار بسرعته، لأطفو بسرعة البرق فوق رصيف القطار!

لكن في هذه المرة لم أشم رائحة الموت

أثناء عملي في مؤسسة الأهرام كنت أعد ملفاً صحفياً لمجلة «نصف الدنيا» عن مدينة رشيد عبر التاريخ والحضارة والحاضر، صعدت مع زميلي المصور محمد عنان الطابق الثامن لمبنى جديد تحت الإنشاء، كنت أتقدمه وفجأة وأنا أنحدر يميناً هوت قدمي اليمنى في اللاشيء، ولولا تراجع جسدي وقدمي اليسرى إلى الوراء، لكنت في حجرة المصعد «الأسانسير»، الذي لم يكن قد وضع بعد، لكن كان الفراغ يحتل مكانه.

اشتممت رائحة الموت أيضاً

بعد سنوات في رحلة إلى مدينة شرم الشيخ اختفت ابنتي حنين من الفندق الذي كنا نقيم فيه، وكان عمرها خمس سنوات، وبدأت رحلة البحث المضني عنها لما بعد منتصف الليل، شممت رائحته، بدأنا نبحث عنها في حمامات السباحة الخاصة بالفندق، ولا أثر.

بحثنا في المصاعد ولا أثر.. واتجهنا إلى شاطئ البحر الخاص بالفندق، ولا أثر.

مرّ دهر عليّ وأمها وجدتها التي راحت تبكي حفيدتها، حتى وجدناها في النهاية في الشارع الرئيسي المواجه للفندق، الذي تمر منه السيارات.

عام 2012 اشتممت رائحة الموت حين سقط الحسيني أبو ضيف برصاص الطرف الثالث أثناء مظاهرات الاتحادية، وكنت من أعلن خبر إطلاق الرصاص عليه من خلال تويتر والسوشيال ميديا، وأنا مفجوع على أخ وصحفي وصديق وثائر، لكنه لم يمت، وانتقل إلى مستشفى منشية البكري، حيث ودع الدنيا بعد عدة أيام.

اشتممتها حين أمسكت ابني محمد البالغ من العمر أربع سنوات من يده وهو يهوى من فوق الطاولة لكي لا يسقط، ولا أدري هل ضغطت على أعصاب يده بقوة، أم ماذا حدث أفقده الوعي، فأفقدني كل شيء، لا أجيد اللغة التركية، ولا أعرف بمن أتصل، ولا كيف أسعفه، حتى عاد تنفسه رويداً رويداً.

اشتممته حين سقطت نهاد مدير مكتبي في وسط القاهرة، وتشنجت، وعجزنا عن التصرف، فاستنجد الساعي بالجيران، الذين أنقذوها، كان جيراننا في عمارة يعقوبيان، أبو طارق صاحب محلات الكشري الشهيرة في وسط البلد، الآن شقتهم اشتراها مصطفى بكري، ويستخدمها كمكتب له، فأحمد الله أني غادرت مصر قبل هذا.

قبل شهرين ماتت الزميلة حنان كمال، التي كنت كلما قررت زيارتها في بيتها مع زوجتي يحدث أمر ما فتذهب زوجتي وصديقاتها لها ولا أذهب، وفي المستشفى شاهدتها زوجتي في لحظات ألمها الأخيرة، ولم تنس حتى الآن هذه اللحظات، وأحمد الله أني لم أشاهدها لأن انطباعي كان سيظل بألمه داخلي حتى رحيلي، فأنا من الذين يتأثرون ويتعلقون كالأطفال.

أول أمس مات زميلي الصحفي نبيل سيف في مصر، لكني لم أشتم رائحة الموت، ربما بسبب بعد المسافة، أو الغربة القاتلة، أو لأني لم أعد أكترث للموت أو أخاف منه أو أوليه اهتمامي.

لا أظن أني أكذب، فأنا أخاف الموت وأكترث به وأهتم به وأسأل عنه وأستفسر عن تفاصيله، فهو مصيري ومصير كل حي، فإذا ذهبنا إلى هناك فسامحونا، وادعوا لنا بالرحمة لأننا ندعو لكم بالمحبة.

samykamaleldeen@             

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .