دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 1/7/2019 م , الساعة 5:45 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

عن التجربة الموريتانية

عن التجربة الموريتانية

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

قبل ثلاثة أشهر بدأت موريتانيا الاستعداد للانتخابات الرئاسية، حيث قرّر الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز أنّه لن يشارك فيها، خاصةً أنّها تأتي في نهاية فترته الرئاسية الثانية. وقد فشل النظام الحاكم في فرض المُطالبة بتعديلاتٍ دستوريةٍ تتيح له فترة رئاسية ثالثة. جاءت التهيئة لذلك منذ مطلع سبتمبر من العام الماضي بإجراء الانتخابات البرلمانية والبلدية والجهوية. ومن نحو 100 حزب سياسي متنافس كان أبرزها حزب «الاتحاد من أجل الجمهورية» الحاكم، وحزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل) الإسلامي، وحركة «إيرا» الحقوقية، بالإضافة إلى ائتلاف يضم أكثر من عشرة أحزاب مُعارضة باسم «تحالف المنتدى الوطني للديمقراطية».

وفي خطوة تعويضية سريعة عن فقدان ولد عبد العزيز للفترة الثالثة، أعلن الحزب الحاكم عن اسم مرشحه للانتخابات الرئاسية التي عُقدت في شهر (يونيو/ حزيران) الماضي، باختيار محمد ولد الغزواني وزير الدفاع وقائد الجيش السابق. وهذا الاختيار المفاجئ أعلنه الرئيس ولد عبد العزيز الصديق المُقرّب لولد الغزواني وشريكه في الانقلاب على معاوية ولد الطايع عام 2005، ثم الإطاحة بأول رئيس مدني منتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله عام 2008.

فاز الغزواني بحصوله على المرتبة الأولى وبفارق كبير بينه وبين منافسيه، حيث حلّ رئيس الوزراء السابق سيدي محمد ولد بوبكر في المرتبة الثانية، بينما جاء الناشط المُناهض للرقّ بيرام ولد أعبيدي في المرتبة الثالثة. أمّا في المرتبة الرابعة فجاء الصحافي بابا حميدو، في حين حلّ أستاذ التاريخ محمد ولد مولود في المرتبة الرابعة.

عندما تم اختيار ولد الغزواني، واجهت المعارضة هذا القرار بالرفض كونه يُعزّز من استمرار تداول السلطة بين العسكريين، وألمحت إلى أنّها قد تكون فترة انتقالية يعود بعدها ولد عبد العزيز للسلطة مرة أخرى. كما يتضح أنّها بداية ترتيبات من قبل قادة المؤسسة العسكرية والأمنية لخطوات تضمن الاستمرار بالسلطة بعد عام 2019، من دون الإخلال بمقتضيات الدستور. وفي نفس الوقت تعمل على اختيار مرشّحٍ منافسٍ لمرشّح الحزب الحاكم، وفوق ذلك كانت تتخوّف من استغلال المال والنفوذ والثِقل القبلي الذي سيرجّح من كفته.

وحتى تتفادى الحكومة مُواجهة التجمّع الشكلي للأحزاب التي تسبّبت في تكوينها المترهّل، أصدرت وزارة الداخلية المُوريتانية في مارس الماضي قراراً بحلِّ 76 حزباً سياسياً من جملة 100 حزب بين المعارض والموالي والمُستقل يحظى بعضٌ منها بقاعدة شعبية. وهي أيضاً خطوة من أجل لفت الانتباه عن حالة الغضب الشعبي ضد ارتفاع أسعار الخدمات، وانعدام الأمن.

الحالة المُوريتانية تتفق على نحوٍ ما مع مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل: «الديمقراطية هي أسوأ نظام إذا استثنينا النظم الأخرى». وتتنزل هذه المقولة على موريتانيا بعد أن ناءت بكلكلها عشر سنوات في ظل نظام ديمقراطي مُتحوّل عن عسكري فشل فيها وأفسد الاقتصاد وتراجعت في ظل حكمه الظروف المعيشية للمواطن. وما تم تدشينه بالمشاركة الصورية لبقية القوى السياسية الأخرى، جاء وفق مُتغيّرات تشهدها موريتانيا. أهم هذه التغييرات وأخطرها أنّ البلاد تشهد حالة انكسار برزت في مُعادلة تغوّل الدولة على المُجتمع. وليس بغريب قيام الانتخابات في نُظم غير ديمقراطية أيضاً، تكون نتيجتها معروفة مُسبقاً وفقاً لآليات النظام الحاكم التي تؤثّر على أصوات الناخبين بالترهيب والعنف وشراء الأصوات والتلاعب في النتائج. كما أنّ هذه الأحزاب تدخل بإرادتها في حالة تعامٍ تام عما يحدث لها على الأقل في الحاضر السياسي منذ أن بدأت ممارسة الانتخابات. أما تكرار العملية -حسب المُراقبين- فلم يكن سوى لعب على هامش الحريات التي لم تتوفّر بشكلٍ كاملٍ لممارسة العمل السياسي، ولم يسمح لها إلّا بالحدّ الذي يعمل على تحسين صورة النظام ويخلق نوعاً من التوازن المحسوب.

إبان الانتخابات زعم الرئيس السابق ولد عبد العزيز أنّه يقف على مسافة واحدة بين الحزب الحاكم والأحزاب المُعارضة، ولكن الحوار بينهما لا يشهد توافقاً على مستوى الرؤى. أما المسافة التي يحفظها بينه وبين قوى المعارضة المُقرّبة منه فتغلب عليها صفة الأبوية وذلك بنزوعه إلى إسداء النصح لها بالتنازل عن الترشّح في الانتخابات لصالح حزبه. وبالرغم من تقليص الأحزاب، فإنّ بعض قوى المُعارضة برز صوتها متخذةً نبرة مختلفة.

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، أغلقت السلطات الموريتانية مؤسسات تابعة لبعض الأحزاب، منها منظمات خيرية تنشط في مجال الدعم الاجتماعي اتهمتها بعدم الشفافية، وأضافت إليها مؤسسات علمية وأكاديمية، ما يؤكّد الحملة الموجّهة ضد هذه المؤسسات، وفسّر بعض المُراقبين إغلاقها بهدف الحدّ من شعبيتها وتقويض امتداداها وتأثيرها على المجتمع الموريتاني. وقبل ذلك اتخذت خطوات إقصاء أحزابٍ أخرى في الانتخابات البلدية في سبتمبر/ أيلول 2018، حيث حذّر ولد عبد العزيز، الناخبين الموريتانيين من التصويت للوائحها في الانتخابات، وشدّد على تحذيرهم منها وخطورتها على استقرار البلد وعلى ديمقراطيته. وزاد على ذلك بأنّ الهدف من الانتخابات هو تخليص البلد من التطرف والفساد. أما القوة الأخرى التي تنغرس عميقاً في تركيبة المجتمع الموريتاني فهي فئة «الحراطين» وهم أبناء قدامى الأرقّاء والتي يمثّلها التيار الانعتاقي المختصر في حركة «إيرا» ويتزعمها الناشط بيرام ولد اعبيدي، الذي دخل معركة الانتخابات وجاء في المرتبة الثانية. وأثار أعبيدي في الآونة الأخيرة عدداً من قضايا الرق، واتهم السلطات بالتواطؤ مع الأسياد على حساب العبيد. هذه الحركة الناشطة في الاحتجاجات والعصيان المدني، تجدّدت مسيرتها بعد الانقلاب العسكري عام 2006م، وبدأت مسيرة نضالية نشطت في الاحتجاجات وحركات العصيان المدني. خلال العشر سنوات الأخيرة لم تشهد موريتانيا قضية رأي عام على قدرٍ من الزخم والحساسية كالذي حظيت به قضية «الحراطين». وبالرغم من معاناة أفراد هذه الفئة من الاستعباد على مدى قرون، إلّا أنّ تجريمها بالقانون بينما يستمر المجتمع في ممارستها محمياً بأعراف الدولة والكتب الدينية القديمة الموظفة لذلك، جعل هذه الفئة تنظّم نفسها في احتجاجات بهدف المُطالبة بالمساواة والحريّة وإقامة دولة عادلة في موريتانيا. وجعل القضية موضوعاً للتجاذبات السياسية بين الحركات الناشطة في مكافحة الرقّ، وبين الحكومة التي تضع القوانين العاجزة عن القضاء على الظاهرة.

وفي الانتخابات البلدية والجهوية والبرلمانية التي تمّت مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي، ازداد التنافس بين بعض الأحزاب السياسية في استقطاب فئة «الحراطين» بترشيح أفراد منها باللوائح في عدد من الدوائر. وتداخل أعضاء التيار الانعتاقي مع حزب التجمّع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» حتى كسب ربع مرشحيه من هذه الفئة، وذلك لمقابلة الاصطفاف السياسي على أسس عرقية وترشيحات تكاد تنحصر في فئة واحدة باللوائح التي قدّمتها أحزاب أخرى، وذلك بسبب حدة الاستقطاب القبلي.

لمواجهة هذه القوى استجمعت الحكومة الموريتانية قوتها ونادت بتوحيد أحزاب الائتلاف وفقاً لتبرير الظرف الدقيق الذي تمرّ به الدولة، حيث وصفت القوى السياسية بالغلو السياسي مُتجاوزةً الأفعال إلى مسّ النوايا في إعادة بناء العقد الاجتماعي للدولة التي أُسّست منذ ستة عقود على الغبن. وإن كانت بعض الأحزاب ترفض الاندغام في الحكومة لرؤيتها أنّ الديمقراطية هي الاهتمام بمصدر السيادة والسلطة وحقوق المواطن السياسية، فإنّ في نفس التركيبة السياسية الحزبية ممن لم يمكّنهم حظهم من الإلمام بمتطلبات أمور الدولة وتسييرها وأمور السلطة ومداخلاتها. حيث أنّ أولويات هذه فئة «الحراطين» كنموذج مُعارض تكمن في لقمة العيش والملاذ الآمن والمُساواة مع بقية المواطنين في الحقوق الأساسية. طموحات أولئك ومطالب هؤلاء لا تتحقق إلّا بالعدل الاجتماعي وقيام دولة المُواطنة، على الإصلاح والعدل حتى لو مرّت بهزّات مجتمعية عنيفة.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .