دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 15/7/2019 م , الساعة 5:08 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

التبرؤ من العولمة

التبرؤ من العولمة

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

لم يبدأ انتفاض الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ضد العولمة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل سبقت عهده منذ أن زحفت الإمبريالية على مؤسساتها، ونفس الشيء تكابده دول غربيّة أخرى ولكنها على طريقتها الخاصّة. فلا التصفيق الضعيف بعد خطاباته الجماهيريّة؛ ينفي تأييد الفكرة، ولا تسليطه الضوء على تعهّده بوضع السيادة فوق الحوكمة العالميّة خاصٌ بأمريكا وحدها. إذ أنّ دفاع ترامب عن العديد من قراراته الدبلوماسية المثيرة للجدل، تباركها دولٌ مثل بريطانيا وفرنسا وتفعل مثلها ولكن دون ضجيج وبمساحيق تجميل كثيفة حتى تبدو مواقفها مغايرة، مع ثقتها الأكيدة بأنّ ترامب غير مُبالٍ وعلى استعداد لأن يكون حامل الوجه القبيح للسياسات العالميّة.

أثناء الولاية الثانية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، ظهر إلى العلن اتجاه يتبنّى فكرة أنّ دور الولايات المتحدة بدأ في التراجع بسبب تفاقم الأزمات الداخليّة والخارجيّة، وأنّها تفضّل الانكفاء على الداخل تاركة الملعب الخارجي إلى روسيا بوتين وحلمه في إعادة مجد الاتحاد السوفيتي الآفل، مشاركة مع قوى صاعدة مثل الصين. ووقفت هذه الحقيقة ضد اعتقاد أنصار نظرية العولمة الذين يرون أنّ التوافقات الاقتصادية المتزايدة تنزع إلى الحدّ من تدخّل السلطات العمومية في الاقتصاد، فتعميم قواعد السوق يشكّل عامل تضامن وسلام. والفكرة التي تقول بأنّ ازدهار التجارة الدولية سيجعل السلم يسود العلاقات الدولية حتماً، هي فكرة تعود إلى أصول النظرية الكلاسيكية التي ترى أنّ مضاعفة التوافقات الاقتصاديّة المؤسسة على مبادئ السوق ستزيد من الرخاء الاقتصادي لكل أمّة تساهم في التبادلات، مؤدية في الوقت نفسه إلى التقليص من الدور الاقتصادي للدولة. وضمن هذا المنطق، سيختفي السياسي تدريجياً أمام المستلزمات الاقتصادية، الشيء الذي يستجيب لإرادة تأكيد علم اقتصادي باعتباره مادة قائمة بذاتها ولا تشوبها الانشغالات السياسية قصيرة المدى. وعندما جاء ترامب إلى السلطة تحت شعار التخلي عن العولمة، لم يكن ذلك نسج خياله وإنّما كان مشياً وراء حقيقة أفول طموح الهيمنة العالميّة، فقام بتغليفها بهدفه «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، ففي عُرفه المنفعي، بدلاً من إنفاق تريليونات الدولارات على التوسّع الخارجي وحفظ مواقع عالميّة قد لا تقدّم الكثير لأمريكا، رأى أن يجذب هذه الأموال الضخمة بوجود أمريكا الوهمي في بعض النقاط دون أن يتحرّك واحد من جنودها.

هذا الاتجاه المضاد للعولمة ساهمت في خلقه عدة عوامل. العامل الأول: اتساع مفهوم العولمة وتداولها مما مهّد لأن تشمل بالإضافة إلى العمليات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، اقترابات أيديولوجية أخرى مثل الاقترابات الماركسية التي ترى في العولمة «الهجمة الأخيرة للرأسمالية»، واقترابات حضارية ترى فيها أيضاً مسعى لنفي الحضارات الأخرى غير الغربيّة، واقترابات وطنيّة ترى فيها توجهاً نحو تقويض سيادات دول العالم الثالث، لتفتح الباب واسعاً أمام هيمنة الرأسمالية، وتدجين الطابع القومي لشعوب العالم كما يتواءم ومقولات الحضارة الأورو- أمريكية.

العامل الثاني: نشوء ظاهرة تعولم الشركات، أي تجاوز الشركات المتعددة الجنسيات إلى شركات جديدة معولمة، فقد قلّص توسّع هذه الشركات من سلطة الدولة الصغيرة. وإلى وقت قريب كانت دولة قارية مثل أمريكا تستطيع مواجهة ما تتصف به العولمة من توسع في التصدير إلى الأسواق العالمية إلى جانب احتفاظها باقتصادٍ محلي مما يضعها في مأمن نسبي من تقلبات السوق المعولمة، ولكن هذه المزايا تراجعت مؤخراً لصالح الصين.

العامل الثالث: تفسير النخب الفكرية لمرحلة «ما بعد العولمة» على أنّها ردُّ فعلٍ على العولمة كمشروع أيديولوجي ساعد على تطبيع الرأسمالية تحت مظلته، كما أوضح ذلك إريك كازدين وإمري زيمان في كتابهما «ما بعد العولمة». ففي أعقاب الفوضى الهوياتية، أصبح العديد من المثقفين والفنانين يبحثون عن حلّ يعيد إسهام العولمة في المجالات السياسية والاقتصادية وليس طغيانها الذي أثّر في مناطق عديدة من العالم على الهُوية والوحدة والسلطة وما إلى ذلك، فإنّ ما بعد العولمة كثيراً ما يرتبط بالفروق، والانفصال، والنصيّة، والتشكك، إلخ.

ووفقاً لذلك فإنّ مرحلة ما بعد العولمة الثقافية والفكرية ستؤدّي إلى إحدى نتيجتين محتملتين. النتيجة الأولى: قد يؤدي تداخل البناء الفكري مع «ما بعد العولمة» واصطدامه مع تحدي الأيديولوجية الزمنية إلى ظهور القصور في البناء الفكري. ويتمثّل هذا القصور في انعزال النخب المثقفة عن واقع المجتمع، ضعف الخطاب وعدم قدرته على مجاراة تطوّر الحياة والقضايا المستجدة وعدم تقديم رؤية نهضوية إصلاحية، وغياب القدرة على الإبداع والتجديد وضآلة الإنتاج الفكري على مستوى العلوم التطبيقيّة، خاصة في دول العالم الثالث التي تعتمد بالكامل في كل المجالات الحيوية على الدول الغربيّة.

أما النتيجة المحتملة الأخرى فهي: أنّ مرحلة ما بعد العولمة قد تأتي كما لو كانت خاتمة «ديستوبية» - في وصف كازدين وزيمان - لكل شيء، وليس مرحلة جديدة من الوجود الإنساني. وإن كانت ما بعد العولمة «ديستوبية» أي صنو الواقع المرير لمجتمع خيالي، فاسد وهمي ومخيف تسوده الفوضى ويحكمه الشرّ المطلق، أو مجتمع واهم وحالم يعيش في فضائه الافتراضي بعيداً عن الواقع الحقيقي، فسيكون بسبب إهمال تبعاته وعجز النخب في الاستعداد له كمرحلة، سوف يكون لها ما بعدها.

والعامل الرابع: تأثير سقوط العولمة الاقتصادية بشكلٍ رئيس على بقية ركائز العولمة. ونشأ ذلك من بين أسباب أخرى، نتيجة لسقوط الليبرالية الجديدة والتي كانت أساس العولمة وإحدى أدواتها للهيمنة على اقتصادات العالم. أدّت هذه الهزّة العنيفة إلى ظهور شبح انهيار المنظومة المالية الغربية خاصة في الولايات المتحدة وقد تمّ تداركها بتدخل الدولة وضخّ الأموال في المؤسسات الماليّة. ويُعتبر هذا التدخل رِدّة في الليبرالية الاقتصادية وساهم ذلك في ظهورها مخفّفة باسم الأزمة المالية العالميّة.

هذه الحالة من عدم المواجهة غير الجادّة مع ما يأتي بعد العولمة؛ نشأت بسبب أنّ العولمة جاءت مستندة إلى مشروع أيديولوجي أكثر جوهرية، وهو مشروع لم يكن معترَفاً به وقت تأسيسه، على الرغم من أنّه كان ضرورياً لعملها بفعالية. فالعولمة كمشروع أيديولوجي تشمل تكويناً زمنياً معيّناً، لا يمكن أن يُتخيّل ما بعده. كما أنّ الإطاحة بالرأسمالية المتوحشة ليس بالأمر اليسير ورأينا كيف تدافع عن وجودها بإعادة صياغة العالم بالتحالف مع البعض واستعداء البعض الآخر والابتزاز وترويج قيم المنفعة.

إذن إعادة أسس البناء في مرحلة ما بعد العولمة يفرضه الضيق بالواقع القائم وهو في إطاره العام مزيجٌ من التجاذب بين الفوضى والاستقرار، الاستقلال والتبعيّة، التخلّف والتقدّم، الهُوية والعولمة. فالاعتماد على فضاء معولم دون الاستعداد لما بعده أنشأ هذه الموجة من الاهتزازات والأزمات التي تعيشها البشريّة ما بين مصدّق ومكذّب.

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .