دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 15/7/2019 م , الساعة 5:08 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

ترامب وسفير بريطانيا

ترامب وسفير بريطانيا

بقلم : جهاد فاضل (كاتب لبناني) ..

اهتزّت العلاقات التاريخية الوثيقة بين أقرب حليفين في العالم المعاصر هما بريطانيا والولايات المتحدة بسبب رسائل دبلوماسية بعث بها السفير البريطاني لدى واشنطن إلى دولته وصف فيها إدارة ترامب بأنها «خرقاء تفتقر إلى الكفاءة». الرسائل كانت سرية بالطبع ولكنها تسربت إلى جريدة لندنية نشرتها فقامت قيامة الرئيس الأمريكي لا على السفير وحده بل على رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وعلى بريطانيا أيضاً. وصف ترامب السفير بأنه «غريب الأطوار وأحمق وقد فرضته المملكة المتحدة على الولايات المتحدة فرضاً، وهو شخص لا نشعر بسعادة غامرة تجاهه وكان عليه أن يتحدث عن مشاكل بلاده لا عن الإدارة الأمريكية، وعن رئيسة وزراء بريطانيا بالذات ومفاوضاتها الفاشلة مع الاتحاد الأوروبي». وأضاف في رده: «لقد سبق لي أن قلت لها كيف تنجز هذه المفاوضات على أفضل ما يرام، ولكنها بأسلوبها الغبي لم تتمكن من إنجازها.

إنها كارثة! لا أعرف السفير ولكن قيل لي إنه أحمق. أخبروه أن الولايات المتحدة لديها الآن أفضل اقتصاد في العالم ولديها أفضل جيش أيضا».

الإنجليز سارعوا إلى لملمة الوضع مذكرين بالعلاقة المميزة التي تربط بلادهم بأمريكا، وبأن المرة الأخيرة التي واجهت فيها بريطانيا متاعب معها كانت في عام 1856 عندما اتهم السفير البريطاني في واشنطن بتجنيد الأمريكيين للقتال مع البريطانيين في حرب القرم.

ولكنهم تضامنوا مع سفيرهم «الغريب الأطوار والأحمق» كما وصفه ترامب، والذي يعتبرونه من خيرة دبلوماسييهم في الخارج وكيف لا يكون كذلك وهو سفيرهم لدى أقرب الدول إلى دولتهم. ولكن السفير سارع إلى الاستقالة رغم أن رئيسة الوزراء أثنت على تاريخه في الدبلوماسية البريطانية وعلى ما قدمه لبلاده من خدمات.

كان يمكن لهذه الأزمة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة ألا تحدث أصلاً لولا تسريبات «الديلي ميل» التي نشرتها في ظرف شديد الحساسية بالنسبة لترامب.

فهو على أبواب معركة رئاسية قريبة يحتاج فيها إلى كل كلمة تخدمه لا إلى كلمات شديدة القسوة قالها سفير دولة صديقة، دبلوماسيتها معروفة بالرصانة وبالكلمات الدقيقة التي تنزل منزلها. لم يجد ترامب من أسلوب للرد على السفير سوى الأسلوب الذي عُرف به وهو الأسلوب الانفعالي السريع العطب وليس أسلوب الرؤساء ورجال الدولة. وكانت النتيجة استقالة السفير من منصبه وعودته إلى بلاده التي تضامنت صحافتها معه ولخصت سيرته بهذه العبارات التي تنم عن تقدير عالٍ له: «كرامة ومهنية وكفاءة عالية».

ولكن الباب لم يغلق بعد وبخاصة حول ما ورد في رسائل السفير وحول رسائل السفراء، والقناصل إلى بلدانهم سواء في الماضي أو في الحاضر.

فقد قال كثيرون إن ترامب لم يكن ليفقد أعصابه وليتفوه بما تفوه به لو لم يشعر بأنه أصيب إصابة بالغة. فأحكام سفير بريطانيا على أداء إدارته هي غير أحكام سفيري زيمبابوي أو جيبوتي. السفير البريطاني وريث التقاليد والخبرات والثقافة السياسية العريقة، يزنها جيدا ولا يلقيها على عواهنها، ومن واجبه أن ينقل إلى دولته أصدق مشاهداته وأحكامه عن الدولة المعتمد لديها. وهذا ما فعله بالضبط في رسائله. ولم يكن ثمة غرابة في الأحكام التي تناول بها إدارة ترامب، فهي معروفة سواء في أمريكا أو في العالم، ولكن الذي جعلها تصيب مقتلا عند الرئيس هو صدورها عن ممثل لدولة صديقة معروفة بدبلوماسية رفيعة المقام بين الدبلوماسيات ويكون أحكامها دقيقة نفاذة إلى الجوهر.

ودافع كثيرون عن حق السفراء والقناصل في إبلاغ دولهم بكل ما يشاهدونه أو يعرفونه في البلدان التي يعملون فيها، وعن كون هذه الرسائل تعتبر أحيانا كنزا لا يقدر بمال لا بالنسبة لسياسات الدول ومواقفها واتجاهاتها وحسب، بل للباحثين والمؤرخين أيضا وبخاصة في المستقبل. فهذه الرسائل تحفظ في أرشيفات الدول، ويعاد إليها وكثيرا ما تكون لها أهمية قصوى في كتابة التاريخ. إن رسائل السفراء والقناصل الأجانب في الأستانة زمن السلطنة العثمانية شكلت بالنسبة للمؤرخ التركي والعالمي المعاصر وثائق لم تكن كتابة التاريخ العثماني بكل جوانبه ممكنة بدونها ومن يراجع تاريخ المشرق العربي الحديث ومنه تاريخ لبنان وسوريا يجد أن كتابة هذا التاريخ على النحو الذي كتب، كانت متعذرة بدون رسائل قناصل الدول الأوروبية في الأستانة ودمشق وبيروت والقدس في القرون الماضية. في الرسائل هذه ما من مصلحة للسفير أو للقنصل إلا في وصف ما يشاهده وصفا صادقا لأنه يعلم أنه في الأساس أرسل لتمثيل دولته وإحاطتها بالحقيقة الكاملة حول الدولة المعتمد لديها وأية عوائق تحول دون أدائه لهذه المهمة تفسد هذه المهمة وتسيء إلى ما شرعت له أصلاً.

وقد كانت أزمة ترامب مع كيم داروك - وهذا هو اسم السفير- بالنسبة للكثيرين فرصة للتذكير بما هو بديهي ويكون هذا البديهي يتعرض لمتاعب حتى في البلد الذي اقتصاده أعظم اقتصاد في العالم وكذلك جيشه.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .