دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 21/7/2019 م , الساعة 3:22 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

حولَ اتّفاق تقاسُم السُّلطة فِي السّودان

حولَ اتّفاق تقاسُم السُّلطة فِي السّودان

 بقلم - طه خليفة:

الأربعاء الماضِي 17 يوليو وقّعَ قادةُ الاحتجاجاتِ بالسودانِ، والمجلسُ العسكريُّ الحاكمُ، الاتّفاقَ السياسيَّ، أَو اتفاقَ تقاسمِ السُلطةِ، الّذِي تمَّ التوصُلُ إليهِ برعايةِ الاتحادِ الإفريقيِّ، ووسطاءَ إثيوبيّينَ يومَ 5 الجاري.

هذَا الاتّفاقُ كانَ مطلباً لقُوى الحريّةِ والتغييرِ الّتي تقودُ الثورةَ، وتناضلُ لأجلِ حياةٍ مدنيةٍ ديمقراطيةٍ بالّسودانِ، أو بالأدّقِ فإنَّ الاتفاقَ تمّ انتزاعُهُ مِنْ بينِ أنيابِ المجلسِ العسكريِّ الّذِي أرادَ الانفرادَ بالحُكمِ، وإدارةَ المرحلةِ الانتقاليةِ معَ دورٍ شكليٍّ لقُوى الثّورةِ والمُعارضةِ. ما توصّلَ إليهِ المُحتجّونَ مِنْ بنودٍ ونتائجَ فِي إطارِ توزيعِ السُلطةِ مَعَ الجنرالاتِ لمْ يكُنْ هُوَ المرغوبَ كلَّهُ، وربّما يشعرُ قادةُ الحراكِ أنّهم لمْ يحصلُوا علَى كلِّ ما كانُوا يريدونَهُ، وأهمّ ما سعَوا إليهِ هُو إدارةٌ مدنيةٌ كاملةٌ للمرحلةِ الانتقاليّةِ.

كَمَا أنّ التوصّلَ للاتفاقِ لمْ يكُنْ سهلاً، بلْ كانَ طريقُه مُخضباً بدماءِ مئاتِ الشّهداءِ، سَواء خلالَ مرحلةِ الثّورةِ لإجبارِ البشيرِ علَى الرّحيلِ، ثمّ فِي المرحلةِ الثّانيةِ بعدَ سقوطِ البشيرِ وبدءِ فصلٍ جديدٍ مِنَ الاحتجاجاتِ لمُواجهةِ رغبةِ المجلسِ العسكريِ فِي طَي صفحةِ الحراكِ، وبسطِ نفوذِهِ علَى الدولةِ، وكأنَّ شيئاً لمْ يحدثْ، وخلالَ هذِه المرحلةِ سقطَ شهداءُ أكثرُ ممّنْ سقطُوا طوالَ أربعةِ أشهرٍ منَ الاحتجاجاتِ ضدّ الرّئيسِ المخلوعِ، ففِي مجزرةِ فضِّ الاعتصامِ أمامَ القيادةِ العامةِ استشهدَ أكثرُ منْ مائةِ سودانيٍّ، وجُرحَ كثيرونَ، وجرتْ اعتقالاتٌ ومُمارساتٌ تعسفيةٌ، ومنهَا قطعُ خدمةِ الإنترنت عن البلادِ، وقدْ عادتْ مؤخّراً بالضغوطِ وتنفيذاً لحكمٍ قضائيٍّ.مِنَ الجيّدِ أنْ تهدأَ الأوضاعَ وتبدأَ المرحلةُ الانتقاليةُ لتمهيدِ الأرضِ لبناءِ الديمقراطيةِ والدولةِ الحديثةِ، وفترةُ التحوّلِ تستغرقُ 39 شهراً، والوثيقةُ السياسيّةُ تضمّنتْ توزيعَ الأدوارَ فِي حكمِ البلادِ عبرَ المجلسِ السّياديِ الّذي سيتشكلُ من 5 عسكريّينَ، و 5 مدنيّينَ، وعضوٍ مدنيٍّ سادسٍ مُحايدٍ، وسيتولّى العسكريونَ الحُكمَ أولاً لمدّةِ 21 شهراً، ويعقبُهم المدنيونَ لمدّةِ 18 شهراً، كَما تتضمنُ الوثيقةُ بقيةَ أركانِ السُّلطةِ منْ حكومةٍ ومجلسٍ تشريعيٍّ وخلَافه.الحقيقةَ أنَّ الثقةَ فِي نوايا الجنرالاتِ لا تطمئنُ، سَواء فِي السّودان، أَو فِي غيرِه من البلدانِ، ففِي تجرِبةِ الربيعِ العربيِّ بمرحلتَيهَا ثبتَ أنّهم راغبون في السُّلطةِ، يلجؤُونَ لاستمالةِ الشّعوبِ إلى جانبِهم، وإسقاطِ قُوى الاحتجاجاتِ فِي حفرٍ ومطباتٍ، وإظهارِهم بأنّهم فوضويونَ وغيرُ مُؤتمنينَ أنْ يكونُوا حُكّاماً للبلادِ أَو مُشاركينَ فِي الحُكمِ، وعندَما يهيِّئونَ الشّعوبَ لتقبُّلِ فكرةِ أنّهم المنقذُ منَ المخاطرِ والحامِي للدولِ منْ مزاعمِ السقوطِ فإنّهم يُحكمونَ قبضتَهم عَلى السُلطةِ، ويُلغونَ أشواقَ الديمقراطيّةِ، ويتّجهونَ للتقيّيدِ. لا دورَ واضحاً للجيوشِ فِي الثّوراتِ، فهِيَ جزءٌ منْ منظوماتِ الحُكمِ الّتي تنتفضُ علَيها الشّعوبُ، ثُمَّ فِي مرحلةِ الاحتشادِ الجماهيريِّ والإصرارِ علَى إسقاطِ النظامِ تتحركُ فِي اتّجاهِ مَا يبدُو أنَّه إسنادٌ للثّوراتِ، والحقيقةُ هُو استثمارُ الزخمِ الثّوريِ الّذِي لمْ يعدْ ممكناً كسرُه حيثُ تقومُ بإزاحةِ رأسِ النظامِ وتتولّي السُلطةَ بدلاً منهُ. يضحونَ بشخصٍ واحدٍ علَى أملِ الحفاظِ علَى كيانِ النّظامِ، ثمَّ استعادةِ أركانِ هذَا النظامِ كاملاً فيمَا بعدُ عبرَ مصادرةِ الثوراتِ وتوظيفِ الأخطاءِ التي تقعُ منْ بعضِ المُنفلتينَ لتشويهِ حملةِ أفكارِ التغييرِ أمامَ الجمهورِ العامِّ للتأكيدِ أنّ الثوراتِ تجلبُ النكباتِ.

حاولَ المجلسُ العسكريُّ السودانيُّ تنفيذَ نفسِ السيناريو المُجربِ فِي بلدانٍ أخرَى فِي ضربِ الانتفاضةِ الناجحةِ، لكنّ الجيدَ فِي هذَا البلدِ، والذي يعيقُ حتّى الآنَ مُواصلةِ الخُطةِ، هُو اليقظةُ الشعبيةُ، والاستفادةُ من دروسِ التجاربِ السابقةِ، وتوحدِ قوَى الثورةِ، وتراجع قوَى التخريبِ للثوراتِ عن مساعيهَا الخبيثةِ بعدَ انكشافِها سريعاً وكشفِ ارتباطاتِها الخفيةِ، واستمرارُ هذِه الحالةِ الشعبيةِ والثوريّةِ الواعيةِ كفيلٌ بحمايةِ أهدافِ الحراكِ حتّى نهايةِ الفترةِ الانتقاليةِ، وعندَها يكونُ السودانُ جاهزاً للانطلاقِ كدولةٍ دستوريةٍ ديمقراطيةٍ مؤسسيةٍ حديثةٍ.الفترةُ الانتقاليّةُ التِي تستغرقُ ثلاثَ سنواتٍ وثلاثةَ أشهرٍ طويلةٌ نسبيّاً، وكلّما طالتْ مراحلُ التحولِ خَفتَ الحماسُ الثوريُّ وتراجعتِ القدرةُ على الحشدِ الشعبيِّ إذَا ما جدّتْ في الأمورِ أمورٌ للتلاعبِ بالاتفاقاتِ، أو الالتفافِ علَيها منْ جانبِ الجنرالاتِ، فهم سيحكمونَ قبضتَهم على مؤسستَي القوّةِ مُمثلتَنِ فِي الجيشِ ووزارةِ الداخليّةِ، حيثُ سيتولونَ اختيارَ وزيرَيهمَا فِي الحكومةِ المدنيةِ، والرهانُ هُنا علَى وحدةِ الأعضاءِ المدنيّينَ فِي مجلسِ السيادةِ، إذْ طالمَا هُم علَى قلبِ رجلٍ واحدٍ فلنْ يتمكّنَ العسكريونَ مِنَ النفاذِ داخلَهُم وتفريقِهم لكَي تصدرَ القراراتُ فِي الاتجاهاتِ التِي يريدونَها. العملُ منَ الجميعِ كفريقٍ واحدٍ وإزالةُ أيِّ تناقضاتٍ فيهِ مصلحةٌ أكيدةٌ للسودانِ وشعبِهِ.

سيكونُ هُناكَ دورٌ مهمٌ للحكومةِ المدنيةِ فِي دعمِ أهدافِ الثورةِ وحمايةِ الاتفاقِ السياسيِّ وقطعِ الطريقِ علَى أيِّ مُحاولاتٍ لقلبِ الأوضاعِ ودفعِها إلَى نوعٍ منَ الفوضَى لتسويغِ الانقضاضِ علَى السُّلطةِ والادعاءِ بأنَّ المجلسَ السّياديَّ بتشكيلتِه المُختلطةِ أخفقَ، وأنّ المدنيّينَ فيهِ لَا يقدّرونَ حجمَ المسؤوليّةِ، والدولةُ مهددةٌ، وهُنا علَى الحكومةِ المأمولةِ أنْ تكونَ قويّةً وفعّالةً وأنْ تعملَ لصالحِ الشّعبِ والثورةِ، وألّا تنجرفَ فِي لعبةِ اصطفافاتٍ خارجيّةٍ يُرادُ للسّودانِ أنْ يكونَ جزءاً مِنْهَا.

ومنَ المهمِّ للمدنيّينَ فِي مجلسِ السيادةِ ألّا يمررُوا أيَّ قرارٍ يمسُ الهدفَ الأساسيَّ للثورةِ، وهُو بناءُ الديمقراطيةِ، والعدالةِ الاجتماعيةِ، واحترامُ دولةِ القانونِ، والمُحاسبةُ الجادةُ فِي ملفِّ دماءِ الشّهداءِ، ورفضُ أفكارِ منحِ الحصانةِ المطلقةِ لأيِّ جهةٍ، بلْ يجبُ أنْ يكونَ القانونُ سيّداً علَى الجميعِ.مستقبلُ الاتفاقِ السياسيِّ مرهونٌ بكلِّ ما ذكرنَاه، إمّا أن تصلَ الفترةُ الانتقاليّةُ إلى برِّ الأمانِ، أَو يتمَّ تعريضُ الاتفاقِ للفشلِ عمداً لإعادةِ الأوضاعِ إلَى نقطةِ الصفرِ للهيمنةِ على الحكمِ بالقوةِ، وإعادةِ الديكتاتوريّةِ العسكريةِ للحياةِ، وهذَا مَا لَا نرجُوه للسودانِ؛ لأنّه سيكونُ كارثيّاً.

كاتب وصحفي مصري

tmyal66@hotmail.com




جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .