دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 25/7/2019 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

عبير الأخلاق

عبير الأخلاق

 بقلم / محمد الشبراوي:

تحتوينا الزهور بعطرها الأخَّاذ، وتختلف الروائح في قوتها وسحرها، وأخلاق الناس من حولنا، يأسر عبير الأخلاق الآخرين؛ فيبقى له في القلوب عبقٌ لا يُنسى، وكلما تزوّد المرء منه، زادت مكانته في القلوب. إن كان الواحد منا لا يملك احتواء الناس بماله؛ فإن في حسن خلقه ما يكفيه، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ».

إن امتلك المرء من الشهادات والمهارات ما يعجز عنه غيره، فإنه لن يرتقي للمكانة التي يرغبها ما لم يتوسل لذلك بخُلُقٍ حسن، ولنا في من سبقنا المثل والعبرة؛ فلقد كان علي بن العباس «ابن الرومي» شاعر بغداد، عدَّه كثيرون من أعظم شعراء العربية على الإطلاق، ومع ذلك فقد كان ضيِّقَ الخلق سريعَ الجفوة؛ فلم يقرِّبه واحد من ثمانية خلفاء عاصرهم! يمكنك أن تقول - بقلبٍ مطمئن - إن سوء خلقه وقفَ حجر عثرةٍ أمام طموحه في بلوغ رتبة يستحقها، وزاد من إقصائهم أن ثُلثَ ديوانه هجاءٌ للولاةِ والوزراء.

كتب لسانُ ابن الرومي - السليط - مشهدَه الأخير في الحياة؛ إذ بلغ من تخوُّفِ المسؤولين من فاحشِ قوله وإقذاعه وسلاطة لسانه أن أغرى وزير المعتضد، أبو الحسين بن القاسم، بالتخلُّص من ابن الرومي. أمر الوزيرُ أبا الحسن رجلًا يقال له ابن فراس بدسِّ السُّم لابن الرومي في خشكنانجة -وهي ضربٌ من الحلوى- للخلاص من شرِّه، وحتى مع لحظاته الأخيرة لم ينجُ الناس من سياط كلماته! فبعدما استشعر بالسُّم في جسده سأله الوزير: إلى أين يا أبا العباس؟ قال: إلى حيث أرسلتني، فقال الوزير: سلِّم على والدي؛ فقال ابن الرومي: ليس طريقي إلى النار!

ثم كان من بعده أبو حيان التوحيدي، سقط في المأزق المهلك نفسه، ولم يشفع جمال أسلوبه ولا ثقافته الواسعة، وإن أجبرت بعض معاصريه أن يطلقوا عليه «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء»، بل ولقبوه بـ»الجاحظ الثاني» اعترافًا بفضله في العلم والأدب، لكنه لم ينتفع بهذه الريادة، لا لشئٍ إلا لأنه كان ضيق الصدر سيئ الخلق.

جنح به ضيق صدره إلى أن أحرق كتبه - وهو في التسعين من العمر- وكان كثير الشكوى من تجاهل الأقران والخلان، مع جودة تصانيفه وسعة درايته وروايته. اتصل بألمعِ رجالات عصره، إلا أنه رجع بخفَي حنين، وكان من بين هؤلاء الوزيران ابن العميد والصاحب بن عباد، وقد كتب التوحيدي كتابه «مثالب الوزيرين» يشتفي لنفسه بهجائِهما والتطاول عليهما؛ وأنهما قد أشاحا عنه بالحال والمقال».

سوء خلق التوحيدي أسخطه على الدنيا وما فيها، وآلى بذلك ألاَّ يغيِّر من طباعه لينتعِشَ حاله وينعم باله؛ فاتشحت حياته بالبؤس والشؤم، إلى أن خرج من الدنيا صفر اليدين. وتأكيدًا للمبدأ القائل «بضدها تتمايز الأشياءُ»؛ فقد أشرنا إلى علمين من أعلام العصر العباسي الذي ضيَّق عليهما سوءُ الخلق وضيق الصدر، وإن كانت الأمثلة لا نهاية لها في هذا الباب، وليست العبرة بكثرة الأمثلة، إنما بالعظة التي يتعين علينا استنباطها واستحضارها في تعاملاتنا وسلوكياتنا.

بلغنا أن المسيح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- سئل يومًا: من أدَّبك؟ قال: «ما أدبني أحدٌ، ولكني رأيت جهل الجُهَّال؛ فجانبتُه»، حكمة بالغة يمكننا بتطبيقها نسعد. الخلق الحسن أثقل ما يوضع في ميزانٍ، وكلُّ عيبٍ يمكن تداركه إذا ما اعتصم المرء بكريم الأخلاق وحسن المعاملة؛ فاحرص على أن تهذِّب أخلاقك، وكما أنَّ العلم بالتعلُّم والحلم بالتحلُّم؛ فإنَّ الأخلاقَ بالتخلُّق، وفي ذلك يقول أبو تمام (فلم أجدِ الأخلاقَ إلا تخلُّقًا/‏ ولم أجدِ الأفضالَ إلا تفضُّلًا).

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .