دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 25/7/2019 م , الساعة 1:48 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

في دنيا نجيب محفوظ 5

في دنيا نجيب محفوظ 5

  بقلم / سامي كمال الدين - إعلامي مصري:

ارتبط نجيب محفوظ بوالدته وتأثر بها كثيرًا في أعماله الإبداعية: «كانت والدتي تتمتع بصحة جيدة طوال عمرها، ولا أتذكر أنها ذهبت إلى طبيب في يوم ما، أو اشتكت من مرض ما، باستثناء العام الأخير من حياتها، حيث رقدت في سريرها وهي عاجزة عن الحركة تمامًا. لقد ظلّت أمي حتى حدود التسعين من عمرها تزور الحسين بشكل يومي، كما لم تنقطع عن زيارة أقاربنا، وكانت تحظى بمكانة وحضور كبيرين بينهم. ورغم أنها عاصرت ظهور التلفزيون فإنه لم يدخل بيتها، بل لم تدخل السينما إلا مرة واحدة، لمشاهدة فيلم «ظهور الإسلام» بعد أن وصل إلى مسامعها أن من يشاهد هذا الفيلم يكون كمن ذهب لأداء فريضة الحج، وبما أنها لم تتمكن من الحج ذهبت لمشاهدة الفيلم» .

كما أن هذه المرأة مطيعة على الدوام لزوجها حتى إذا أراد أن يمنح ابنه «عَلقة» ساخنة، كان والدي يعاملني بحنان ولطف، ولم يضربني في حياته إلا مرة واحدة، ولهذه «العَلقة» قصة. كانت عساكر الإنجليز تحتل ميدان «بيت القاضي» حيث نسكن، وكانت تعليمات أبي تمنع فتح النوافذ المطلة على الميدان مطلقاً، لأن الإنجليز كانوا يعتبرون النوافذ المفتوحة تهديدًا لهم، فقد يكون هناك من يحاول إطلاق الرصاص عليهم من النافذة المفتوحة، وجلست أشاهد العساكر الإنجليز وأقلد حركاتهم وأصواتهم عند تغيير الطابور العسكري. وفجأة وجدت أبي واقفًا فوق رأسي وهو ينظر لي بغضب شديد، ثم أحضر عصاه وهوى بها عليّ وجاءت أمي تساعده، وطرحاني أرضًا، وأمسكت أمي بساقيّ ورفعتهما إلى أعلى، ليتمكن أبي من ضربي بالعصا على باطن قدميّ، وتركاني وأنا أعرج، وكانت المرة الأولى والأخيرة التي يضربني فيها والدي رحمه الله.

أمه أيضًا لم تضربه إلا مرة واحدة «فذات يوم كنت ألعب مع خادمتنا الصغيرة «زكية» ، وأحضرت شفرة حلاقة وأقنعتها ببراءة الأطفال أنني طبيب وأستطيع أن أجري لها عملية جراحية في يدها، وصدقتني، وأعطتني ذراعها، فجرحتها. ولما رأت «زكية» منظر الدم صرخت، وجاءت أمي فزعة، وصفعتني على وجهي وتوعدتني بقطع يدي بالشفرة، وعند سماعي لهذا التهديد شعرت بالرعب وهربت منها» .

والد نجيب كان وفديًا وهو كذلك، وعندما مات سعد زغلول كان نجيب في الخامسة عشرة من عمره، فهل هو فعلا السيد أحمد عبد الجواد بطل الثلاثية؟!

نجيب ينفي لرجاء النقاش أن والده هو السيد أحمد عبد الجواد «... وبصراحة كانت شخصية والدي تتحلى بقدر كبير من التسامح والمرونة والديمقراطية، وليس فيها استبداد أو عنف، ولا علاقة لها بشخصية السيد أحمد عبد الجواد بطل الثلاثية . بل كانت شخصية «سى السيد» تنطبق أكثر على جار لنا شامي الأصل اسمه «عم بشير» ، استقر هو وزوجته -وهى شامية أيضا- في مصر، وكان بيته مواجهًا لبيتنا في «بيت القاضي» . هذا الرجل -عم بشير- رغم طيبته كان جبارًا، وكان يعامل زوجته بقسوة، لدرجة أنها كانت تأتي إلى والدتي باستمرار تبثها الشكوى من سوء معاملة الزوج. وفي ليالي القمر كانت تجلس مع أمي فوق السطح وتطلب مني الغناء فألاحظ الدموع على خديها.

وشخصية الزوج الحازم القاسي كانت من الأمور المألوفة في ذلك العصر، ولكن لم تكن تنطبق على أزواج شقيقاتي: نعيمة ورتيبة، وكان زوج أمينة عصبياً بعض الشيء ولكن بدون قسوة، والوحيد الذي كان فيه بعض ملامح «سي السيد» هو زوج شقيقتى «زينب» . فقد كان صعيديًا من أصل كردي، كان فظيعًا. ومع ذلك كانت عندما يفيض بها الكيل تقف في وجهه بشراسة. أما والدي فربما أخذت منه في شخصية «السيد أحمد عبد الجواد» حبه للفن فقط.

على المستوى الشخصي كان والدي رحمه الله رجلاً مستقيمًا. وصحيح أنني لا أعرف شيئًا عن فترة شبابه ولكن كان من الواضح أنه ملتزم. ولم يتزوج غير والدتي. ولم تكن له علاقات نسائية، لأن مثل هذه العلاقات تنكشف. على عكس عمى «سعيد» الذي كان معروفا بكثرة غرامياته وعلاقاته، وكانت زوجته تتشاجر معه لهذا السبب وتشكوه باستمرار لوالدي الذي هو بمكانة أبيه نظرًا لفارق السن بينهما. كنت أسمع والدي وهو يعاتب عمي «سعيد» لأن ما يفعله عيب، خاصة وبناته اقتربن من سن الزواج، وسوء سيرة والدهم قد تؤثر على فرصهن في الزواج. والحقيقة أني كنت أحب عمي «سعيد» لأنه كان شخصية لطيفة، والمغرمون بالنساء دائمًا تجدهم يتميزون باللطف وحسن الحديث والقدرة على الغزل، كما أنه كان شخصية متفتحة ومحبًا للحياة، وكان وجيهًا وسيمًا، وعندما يرتدى البدلة البيضاء ويضع وردة حمراء في «السترة» يلفت انتباه حي العباسية كله.

أما العلاقات بين والدي ووالدتي فقد كانت مثالاً للاحترام والحب. فلم أرهما مرة في حالة شجار. صحيح أن أمي كانت عصبية إلى حد ما، وأحياناً يعلو صوتهما، إلا أنها كانت تحترم أبي، وكان لابد أن تقف وهو خارج من البيت أو دخل إليه، ولابد أن تساعده في ارتداء ملابسه، وتعتني بطعامه وشرابه ومظهره. وكان حزنها عليه عندما مات شيئاً لا يتصوره عقل. ولقد حزنت أنا على أبي وتلقيت نبأ وفاته بصدمة شديدة. فالأب في المجتمع الشرقي هو الركن الأساسي للأسرة، وعندما يرزقك الله بأب ملتزم لا يشرب الخمر ولا يلعب القمار فهذه نعمة كبيرة.

مات والدي عام 1937 ولم يطّلع على أولى رواياتى «عبث الأقدار» . لقد قرأ لى بعض قصصي الأولى المنشورة في الصحف. وكان يشعر بسعادة غامرة عندما يقرأ اسمى على هذه القصص، ومع ذلك لم تكن اهتماماتي الأدبية تعنيه كثيرًا. وعندما تخرجت سنة 1934 في الجامعة ساعدني في الحصول على وظيفة، وتحدث إلى أقارب له من عائلة «شوشة» ، وأذكر منهم «توفيق شوشة باشا» في وزارة الصحة، وهو الذي توسط لي عند «صادق باشا جوهر» سكرتير عام الجامعة وكانا زميلين في البعثة.


samykamaleldeen@

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .