دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 29/7/2019 م , الساعة 2:37 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

بوريس جونسون والإمبراطورية التي غابت عنها الشمس

بوريس جونسون والإمبراطورية التي غابت عنها الشمس

 

لم يكن أحد يظنّ أن الإنجليز، وخصوصاً «المُحافظين»، سيختارون رئيساً لحكومتهم شخصاً يميل إلى الكوميديا في حياته السياسية والشخصية، فيترك شعره مُسبلاً على جبهته ويتجوّل في شوارع لندن ممتطياً درّاجة، وهم المعروفون بالرصانة والجدّية وحسبة الأمور حسبة جيدة. ذلك أن الكوميديا كانت حتى اختيار الإنجليز رئيساً لحكومتهم الجديدة وقفاً على بعض الدول الآسيوية والإفريقية مثل ليبيا القذافي ونيجيريا عيدي أمين. ولكن يبدو أن الإنجليز اعتمدوا مبدأ ينصّ على أن لكل مرحلة وزارتها أو رئيس وزرائها، فوجدوا أن بوريس جونسون الذي يميل إلى المرح في حياته العامة والخاصة هو أفضل من يلي الأحكام في مرحلة شديدة الدقة في حياة بريطانيا فشلت الرصانة التي عرفت عن ساستها وشعبها في حلحلة مأزق البريكست الذي وقعت فيه وعجز الجميع عن إخراجها منه.

ولكن بوريس جونسون لم يبدأ في رئاسة حكومته بداية ضعيفة. فالأصوات التي نالها في مؤتمر حزبه تعادل ثلثي أعضاء هذا المؤتمر في حين أن خصمه وزير الخارجية جيريمي هانت المحسوب على الرصانة حصل على الثلث المتبقي. ولهذا التصويت أكثر من دلالة. فهو يدل من جهة على أن الكوميديا ليست وقفاً على جونسون وحده بل تمكنت من غزو الحزب العريق الذي لم يُشاهد أحد من زعمائه يتبسم مرة في تاريخه. ويبدو أن حزب المُحافظين يميل إلى الاعتقاد الآن بأن تجهّم وجه تيريزا ماي ربما كان وراء فشل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي فرغب في استبدالها بشخصية تختلف عنها كل الاختلاف. وعندما علق الرئيس الأمريكي ترامب على اختيار جونسون بالقول إنّه جاء اختياراً موفقاً وأن جونسون سيكون «ترامب بريطانيا»، أي رئيساً ناجحاً متميزاً، اطمأن حزب المحافظين إلى أنه لم يجانب الصواب فيما فعل في حين أُصيب بالقلق كل محبي بريطانيا في الخارج.

قسم قليل من المحافظين بقي متوجساً مما حصل أو معارضاً. قال هؤلاء إنهم لم يقتنعوا باختيار شخص تُطلق عليه صحافتهم لقب «المهرّج» للجلوس على نفس الكرسي في 10 داوننغ ستريت الذي جلس عليه نخبة من الرجال التاريخيين أصحاب المقام الرفيع في تاريخ بريطانيا العظمى مثل تشرشل وماكميلان وتاتشر وأسماء أخرى كثيرة من هذا الطراز وكلهم – ويا للمصادفة- من حزب المحافظين. وجاءهم الجواب سريعاً وهو أن الزمن تغير وأن طابع «الموتوسيكل» الذي يستخدمه جونسون في تنقلاته بشوارع لندن، لا يختلف في كثير أو قليل عن طابع الحياة التي يمارسها جيريمي كورين زعيم حزب العمال، فهو أيضاً متهم باليسارية الطفولية وبمواقف كثيرة متشنجة لا تليق بزعيم حزب مرشح لتسلّم السلطة في بلده. فالخفة إذن لا تقتصر على حزب المحافظين وحده بل هي عمالية أيضاً.

ولكن آثار السكرة بعد اختيار جونسون زالت سريعا لتبدأ الفكرة وبخاصة حول التحديات التي يواجهها رئيس الحكومة الجديد ومنها البريكست والاستفزاز الإيراني في الخليج الذي كان إلى ما قبل نصف قرن لا أكثر، بحراً بريطانيّاً خالصاً تنتشر على ضفتيه مستعمرات بريطانية كانت إيران واحدة منها بصورة من الصور. فبريطانيا التي كان تُضاف إليها عبارة «العظمى» لم تعد عظمى، وإمبراطوريتها التي لم تكن تغيب عنها الشمس غابت غياباً تاماً. ومن مظاهر ذلك أن الأسطول العسكري البحري الذي كان أداة هذه الإمبراطورية، فقَدَ كل هيبته القديمة وبات عبارة عن عدة قطع بحرية لا يهابها أحد. وها هم الإنجليز يسارعون إلى الاتحاد الأوروبي يستنجدون به لتأليف جبهة عسكرية بوجه إيران خوفاً من الفضيحة أو من مواجهة ما معها معروفة النتائج مسبقاً. وهذا يعني أن الدولة التي تكبّرت على أوروبا إلى درجة الانسحاب منها عادت إليها صاغرة طالبة العون والمُساعدة.

ورغم كل ذلك فإن بوريس جونسون لم يفقد ما تبقى للإنجليز من كبرياء الأمس بدليل أنه وعد شعبه بإنجاز البريكست مع أوروبا بمهلة 99 يوماً، وكأن الدنيا ما زالت هي نفس الدنيا التي عرفها الإنجليز زمن إمبراطوريتهم، وكأنّ الأوروبيين لا يملكون من مواقف إزاء بوريس جونسون سوى السمع والطاعة.

والإنجليز حائرون في علاقتهم مع أوروبا ومع أمريكا. فعندما يقرؤون في التاريخ يظنّون أنهم لوحدهم «قارة» مثل أوروبا وليسوا أحد بلدان أوروبا، ولذلك يقعون في أخطاء التحليل والنتائج. ولا يفارقهم الاضطراب عندما يتأملون ماضي علاقتهم مع الولايات المتحدة وحاضر هذه العلاقة. في الماضي كانت أمريكا مُستعمرة بريطانية، وفي الراهن العالم كله تقريباً بما فيه بريطانيا مستعمرة أمريكية. وترامب عندما يهنئ جونسون باختياره زعيماً لحزب المحافظين ورئيساً لوزراء المملكة المتحدة لا يمكنه أن يفعل الكثير لهذه المملكة المترهلة التي دخلت مرحلة الشيخوخة والتي لن تجد في الواقع من يلتفت إليها عندما تقع في المحن والأزمات سوى أوروبا لا سواها. ولكن جونسون لا يتخلّى عن عُنجُهية قديمة موروثة، وكأنّه خارج للتوّ من مسرحية كوميدية كثيراً ما مثّل مثلها في الماضي، ويظن أنه سيملي شروطه على ألمانيا وفرنسا وبقية الأوروبيين.

والعالم كلّه يراقب التسعة والتسعين يوماً المتبقية لعلاقة بريطانيا مع الأوروبيين الذين يرون أن لا حلّ للمأزق البريطاني معهم سوى تنظيم انتخابات جديدة تكون نتيجتها عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي وبعدها عودة بوريس جونسون إلى دراجته يجوب بها شوارع لندن بحثاً عن غزالة شاردة!

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .