دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 30/7/2019 م , الساعة 3:46 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

السودان.. ماذا وراء استمرار العنف المفرط ضد الثوار؟

السودان.. ماذا وراء استمرار العنف المفرط ضد الثوار؟

 

بقلم / د. خالد التيجاني النور:

بعد مرور نحو أربعة أشهر مما ظنه السودانيون انتصار ثورتهم بإسقاط نظام عمر البشير البائد، وأنهم باتوا على موعد مع تغيير حقيقي يوقف نزيف الدماء وتضع الحروب أوزارها وترفرف رايات السلام، و»تنبت الأرض وعداً وقمحاً وتمني» في قول شاعرهم محمد المكي إبراهيم في تمجيد ثورة أكتوبر 1964 التي أسقطت النظام العسكري الأول، فإذا هم يفجعون كل يوم بمجزرة جديدة وآلة قوات المجلس العسكري الانتقالي تحصد المزيد من الأرواح البريئة من الشباب الثائر، حتى فاق من لقوا حتفهم منهم جراء العنف المفرط بعد إعلان سقوط النظام في 11 أبريل الماضي أضعاف الذين قدموا أرواحهم تضحية من أجل التغيير، ليطرح السؤال الكبير نفسه كيف يزعم المجلس العسكري أنه انحاز للثوار حقناً لدمائهم برفضهم إطاعة أوامر البشير، ثم يتبرعون من تلقاء أنفسهم بالإقدام على ما هو أسوأ.

وقبل أن يجفّ مداد الاحتجاجات الواسعة النطاق على تقرير النيابة العامّة الذي أعلن في وقت سابق من هذا الأسبوع بشأن مجزرة 28 رمضان/ الثالث من يونيو الماضي حول ملابسات فضّ الاعتصام السلمي لمئات الآلاف من السودانيين في محيط القيادة العامة، والذي أجمع المراقبون على أنه حاول عبثاً تبرئة ساحة المجلس العسكري من تحمّل المسؤولية مع أنه من أصدر الأوامر بذلك، ملقياً اللوم على بضعة ضباط بتجاوز الأوامر، تجددت اليوم مرة أخرى والقوات النظامية تحصد المزيد من الأرواح لطلاب وطالبات خرجوا محتجين على تردي الأوضاع في مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، جنوبي غرب العاصمة الخرطوم، مما أثار موجة غضب عارمة في الأوساط السودانيّة إزاء هذا العدوان الآثم المستمر بلا أي مبررات سياسيّة أو مسوغات قانونيّة لهذا الاستخدام المفرط للقوة من قبل القوات الحكومية، واستسهال إراقة الدماء، والقتل المجاني.

تلفّ السودانيين حيرة كبرى حيال هذه الظاهرة غير المسبوقة، فليست هذه المرة الأولى التي تسقط فيها ثورة شعبية نظاماً عسكرياً شمولية، ففي المرتين السابقتين في 1964، أسقطت ثورة أكتوبر حكم الفريق عبود، وفي 1985 أسقطت انتفاضة أبريل الجنرال النميري، لكن في الحالتين تم الانتقال سلساً رغم المصاعب إلى حكم مدني، ودون سفك دماء، بيد أن الثورة السودانية الثالثة التي أسقطت حكم البشير تواجه تحديات غير مسبوقة، وإراقة دماء بلا حساب ولا خوف من تبعة، فالجيش في الثورتين السابقتين، لم يلعب أي دور بعد سقوط عبود، ولعب دوراً محدوداً في الفترة الانتقالية بعد سقوط نميري لعام واحد بقيادة المشير وأثبت حرصه الكامل على تسليم السلطة بعد عام واحد إثر انتخابات عامّة.

بيد أن تدخل القوى النظاميّة بدعوى الانحياز للثورة، تحوّل هذه المرة إلى وضع مأزقي وكارثي بامتياز، ذلك أن التدخل كان مقتصراً على القوات المسلحة، ولكنه جاء هذه المرة مصحوباً بشريك هي قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، التي تتملك في واقع الحال السيطرة الميدانيّة شبه الكاملة على الأرض، في غياب شبه تام أو وجود رمزي للجيش وقوات الأمن والشرطة، ليعيد بذلك الجدل المثير حولها منذ تشكيلها بواسطة البشير لخوض حرب عصابات ضد الحركات المسلحة المتمردة في دارفور، ثم أوكل لها مهمة حماية نظامه في مواجهة أي خطر يتهدّد سلطته، وعهد إليها بلعب دور خارجي في حرب اليمن ضمن التحالف العربي، وضمن لها قانون أجيز مطلع العام 2017 لتكون قوة نظامية مستقلة، بعد رفض قائدها إدراجها تحت قيادة القوات المسلحة، لم يكن أحد يتوقع أن هذه القوات ستكون مرشحة للعب الدور المهيمن الذي تقوم به في الوقت الراهن.

أخطأت بعض قوى الثورة التي رحبت بدورها بادئ الأمر لتسهيلها الانقلاب على عرابها البشير، وحسبوها حامية للثورة، قبل أن يتبين لها قبل أن يمضي وقت طويل أنها تحمل أجندة سياسية خاصة وتعمل على فرض نفسها بالقوة المسلحة على الساحة السياسية بزعم أنها شريكة أصيلة في حدوث التغيير، ولعبت الدور الحاسم في تحقيقه، يسندها في ذلك أجندة أجنبية، وطموحات قائدها التي تنامت بسرعة شديدة بحضوره الطاغي في ظل الدور الباهت لأعضاء المجلس العسكري الآخرين، ولكن لقلة الخبرة في الميدان السياسي وطبيعة تكوين هذه القوات الميلشياوي الذي وصفه الخبير في الشأن الدارفوري أليكس دي وال بأنه نموذج لتسليع العنف وتبدل الولاءات في مزاد سوق السياسة، ولذلك فإنها نقلت ثقافة العنف على النحو ذاته من ميادين قتال حرب العصابات ضد الحركات المسلحة في دارفور إلى قلب الخرطوم، وغيرها من المدن، بغير سابق تدريب للتعامل مع جمهور المدن والحضر، ولذلك يبدو عندها سفك الدماء بغير حساب سلوك ظلت تمارسه دون تبعة.

غير أن هذا العنف المتصل دون أفق لتوقفه حشر قوى الحرية والتغيير في ركن ضيق، وأحرجها أمام قاعدة الثوار التي منحتها شرعية تمثيلها، فإذا بها تقع مرة تلو الأخرى في فخ التفاوض مع المجلس العسكري حول هياكل وترتيبات الفترة الانتقالية على قاعدة شراكة، يثبت كل مرة أنها مستحيلة، والشريك يمارس عدواناً على الشارع الأعزل والثورة السلمية، كلما لاحت أفق لتقدم المفاوضات نحو إكمال الوثائق المؤسسة للفترة الانتقالية، مما يصعب معه تصوّر أن هذه الانتهاكات بريئة من الغرض، خاصة في ظل الصراع القائم على رفض المجلس العسكري، ولا سيما حميدتي للاكتفاء بدور شرفي، في ظل الإصرار على نقل السلطة لحكومة مدنية ذات صلاحيات وسلطات حقيقيّة.

يشي تكرار الانتهاكات الصارخة على الثوار السلميين، فضلاً عن بوادر التململ داخل القوات المسلحة على تمدد هيمنة قوات الدعم السريع، والذي أكده الإعلان عن حدوث خمس محاولات انقلابية في غضون الأشهر الماضية كانت آخرها اتهام رئيس أركان الجيش بالتورط في واحدة منها، ومع التعثر المستدام الملازم لمحاولة التوصّل لتسوية على مائدة التفاوض، تشي كلها بأن السودان مرشح للدخول في سيناريوهات مواجهة تشكل تهديداً جديداً لسلمية ثورته، وتضع البلاد على حافة احتراب أوسع نطاقاً.

 

كاتب وصحفي سوداني

khalidtigani@gmail.com

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .