دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 8/7/2019 م , الساعة 5:11 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

«حفلة شاي»

«حفلة شاي»

بقلم : منى عبد الفتاح (كاتبة سودانية) ..

ما بين «حفلة شاي» التي أدت إلى اندلاع الثورة الأمريكية 1773م وحفلة شاي ثورة 19 ديسمبر السودانية 2018م بونٌ شاسع زمانياً ومكانياً. فالدلالة بغضِّ النظر عن نتائج الأحداث على كلّ ثورة، هي رمزية الشاي وارتباطها بالحدثين في زمانين ومكانين مختلفين. وقبل الربط بين هذين الحدثين بعنصرٍ واحدٍ هو الشاي، نعود إلى أصل هذا الطقس الذي شكّل ثقافات وأمزجة الشعوب.

ثقافة الشاي وطقوسه ضاربةٌ في القدم، وارتبطت بغالبية الشعوب، إلّا أنّ الصينيين وثّقوا لهذه الثقافة التي تعود إلى أربعة آلاف سنة، ويُعتبر المشروب الشعبي الأول في حياتهم وحياة شعوبٍ كثيرة. وعند الصينيين فضلاً عن أنّه يُكرم به الضيوف فور دخولهم المنزل، فإنّ هناك غرفاً مُخصّصة لأصحاب الثروة والجاه تُسمى غرف الشاي، يتم فيها إعداده وتذّوقه أثناء قراءة الكتب. وباعتباره المشروب الثاني الأكثر استهلاكاً على ظهر الأرض بعد الماء، فلا يقتصر الاحتفاء به على الصين واليابان فقط ففي الشرق الأوسط توجد خلفيات تاريخية ارتبطت بالمعابد القديمة وظلّ يلعب دوره الرائد في اللقاءات والمُناسبات الاجتماعية. وكون الشاي ظاهرة ثقافية فلم يقتصر تقديره على الشرق فقط، وإنّما كان للغرب سهمٌ في ترسيخ هذه الثقافة.

أما الشاي الذي انتظمت سلسلة أقدارٍ لتجعله أيقونة الثورة الأمريكية فكما جاء في معظم الكتابات التاريخية أنّه في ظلِّ نشاط حركة الاستعمار الأجنبي للقارات في القرن السابع عشر عُرِف الشاي لدى الأوروبيين عندما أحضر الهولنديون الشاي الأخضر لأول مرة إلى أوروبا. وحسب ما جاء في كتابات المؤرّخين أنّ الشاي كان يُعتبر في ذاك الوقت من المواد الغذائية الباهظة الثمن فكان دواءً مهماً يقتصر بيعه على الأماكن المُخصصة لبيع الأعشاب الطبيّة والأدوية. ومع انتشار الشاي عرفه الناس وتحوّل إلى مشروبٍ تستخدمه الطبقة المخملية في المجتمع الأوروبي وكان ذلك تزامناً مع بدء استيراد الشاي الأسود. وحتى ذلك الوقت كان الشاي يرمز إلى الثقافة والتقليد الاجتماعي لبلدٍ معيّن، وإن اختلفت طقوس استخدامه من شعبٍ إلى آخر.

وقصة «حفلة شاي» الأمريكية تعود أحداثها إلى مجزرة بوسطن، حين فرضت بريطانيا على المُستعمرات التي تقع تحت سيادتها ضرورة المشاركة في تحمّل نفقات جيوشها في أمريكا الشمالية ففرضت الضرائب، ومن بينها ضريبة الشاي على السكان، وأنشأت مكتباً للجمارك لجمع الضرائب في بوسطن. أدى الاحتجاج على هذه الضرائب إلى إلغائها ما عدا الضريبة المفروضة على الشاي، فتواصلت الاحتجاجات خاصة في مدينة بوسطن وتصدّى الجنود البريطانيون للمتظاهرين وقتلوا منهم خمسة أشخاص، وعُرفت الحادثة باسم «مجزرة بوسطن».

بعد هذه الواقعة بدأ الأمريكيون يُهرّبون الشاي لتجنّب دفع الضريبة فخسرت الشركة البريطانية التي كانت توفّر الشاي للمُستعمرات، واستمر سكان المُستعمرات في مقاطعة الشركة ورفض التجار بيعه. بعد ثلاث سنوات من مجزرة بوسطن أي في 16 ديسمبر 1773م تسلّق بعض الناشطين الاستقلاليين بقيادة صامويل آدامز إلى ظهر سفينة بريطانية مُحمّلة بالشاي وألقوا حمولتها في البحر. سميت هذه العملية باسم «حفلة الشاي» Tea Party.

أشعلت «حفلة الشاي» شرارة احتجاجات ومواجهات كان الرد البريطاني عليها عنيفاً وتوالت الأحداث، ولم ينطفئ أوارها إلّا بعد سنوات ثلاث سنواتٍ أخرى حيث تم إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية في 4 يوليو 1776م. وفي هذا اليوم من كلّ عام إلى هذا الأسبوع أي بعد مرور 243 عاماً على استقلال الولايات المتحدة، يحتفل الأمريكيون في كلّ عام بعيد استقلالهم، ويغني الأطفال في أمريكا خاصةً أطفال مدينة بوسطن «ارموا الشاي في البحر».

أما قصة «الشاي» السودانية، فغير ارتباطه بالمزاج العام للسودانيين بشكلٍ عام، فقد ارتبط بأحداث الثورة في السودان التي اشتعلت شرارتها في 19 ديسمبر / كانون الأول الماضي. وكانت قد اندلعت في السودان احتجاجات محدودة تطالب بتوفير الخبز، ثم توسّعت لتعمّ أنحاء البلد، وتطالب برحيل النظام. وبعد أن تنحّى الرئيس السابق عمر البشير وسط الضغط الشعبي، استلم زمام الحكم المجلس العسكري الانتقالي، فتواصلت الاحتجاجات والاعتصام بميدان القيادة العامة لقوات الشعب المسلّحة، للمُطالبة بتسليم الحكم إلى حكومةٍ مدنية وقيام انتخابات ديمقراطية. وكانت أهزوجة الشاي التي وُلدت هناك إحدى تفاصيل الحياة اليومية للمعتصمين الذين كانوا يصلون الليل بالنهار في صمودٍ وشمم.

مثّلت هذه الأهزوجة أحد تفاصيل الثورة الكثيرة والمثيرة، وعكست روحاً سودانية شغوفة بالمرح بالرغم من كل الآلام التي صاحبت التغيير. خرج الشعار من مجموعة من الشباب الذين كان تربطهم الدراسة الأكاديمية والسكن في أحد أحياء الخرطوم والالتزام بالمبيت في ميدان الاعتصام. فبينما كانوا يقومون بخدمة المُعتصمين من تقديم مياه الشرب الصحيّة والشاي وتوزيع الوجبات الخفيفة، انقطع الإمداد لدخول مجموعات كبيرة إلى الميدان وحدثت كثافة عالية وحِراك متصاعد بانضمام المزيد من المعتصمين. وبعد أن ظهر الإمداد مرة أخرى بعد فترة قصيرة وقف هؤلاء الشباب متأهبين لخدمة الداخلين للميدان وهم ينشدون بأصوات مرحة منادين وموجّهين سير المعتصمين إلى نقطة توزيع الشاي «يا اخوانا الشاي، الشاي، الشاي بجاي»، أي الشاي ها هنا. وهكذا وُلدت هذه الأهزوجة التلقائية التي لم يتم الترتيب لها، ولكنها حصدت شهرةً واسعة وانتشرت في السوشيال ميديا من أمريكا إلى الصين ومن جنوب الكرة الأرضية إلى شمالها، بفضل الجو العام واهتمامات السودانيين من على البُعد بالثورة السودانية وتفاصيلها.

دلالات هذين الحدثين عظيمة، ففي الولايات المتحدة ذكر المؤرّخون أنّ المواطنين التزموا بمبدأ مقاطعة المنتجات البريطانية العالية الضريبة، وتحسّباً لأي تراجع من قِبل المواطنين عن هذه المقاطعة نتيجة للضغوط، جاء قرار إغراق الشاي حتى يتواصل تحدي المستعمر البريطاني.

مرّ الزمن وبتواتر الأحداث السابقة تحوّل الشاي في أمريكا إلى حركةٍ سياسيةٍ في منتصف القرن الثامن عشر وظهر ما سُمي بـ «حزب الشاي»، ارتبط بجذور وتاريخ حدث «حفلة شاي» ورمزية الزعيم الراديكالي صامويل آدامز وما تمخّضت عنه من انتصارٍ للثورة الأمريكية وإعلان الاستقلال.

وفي التاريخ ذاته اتفق المجلس العسكري الانتقالي في السودان وقوى الحرية والتغيير حول قيادة المرحلة الانتقالية المُقبلة، حسب ما ذكر وسيط الاتحاد الإفريقي، وتوصّل الجانبان إلى إقامة مجلس سيادي بالتناوب بين العسكريين والمدنيين مدته ثلاث سنوات. ووفقاً للخطة الانتقالية التي أعدها الوسيطان الإفريقي والإثيوبي فإنّ «المجلس السيادي» سيرأسه في البداية أحد العسكريين لمدة 18 شهراً على أن يحلّ محله بعد انقضاء المدة أحد المدنيين حتى نهاية المرحلة الانتقالية. كما اتفق الطرفان أيضاً على إجراء تحقيق دقيق وشفّاف ووطني مُستقل لمختلف الأحداث والوقائع العنيفة المُؤسفة التي عاشتها البلاد في الأسابيع الأخيرة. هذا تاريخ جديد صنعته ثورة ورمزية تعدّدت أصولها وفصولها، ومن ضمن الفصول الصغيرة ولكن مؤثّرة كان «الشاي».

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .