دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 1/8/2019 م , الساعة 3:39 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

إيديولوجية إزاحة السياسة

إيديولوجية إزاحة السياسة
 

 

بقلم / د. علي محمد فخرو:

 منذ أربعة عقود تقريباً شهد العالم بداية مسلسل التساقط المُذهل للإيديولوجيات الشاملة الكبرى التي كانت تؤمن بأن العمل السياسي، سواء على مستوى مؤسسات نظام الحكم المختلفة أو على مستوى النضال الجماهيري المدني المنظّم وغير المنظّم، هو الطريق الأسلم والأجدى لمواجهة جميع مشاكل المجتمعات وتغييرها نحو التقدّم والتنمية والتحضّر الإنساني.

كان ذلك العمل السياسي سيشمل وجود الدساتير والقوانين العادلة وبرلمانات منتخبة بنزاهة وحكومات خاضعة للمحاسبة وحريات عامة ومؤسسات سياسية ونقابية وأهلية مستقلة ومشاركة في الحياة العامة. وكان ذلك العمل السياسي، ستحكمه القيم الإنسانيّة الكبرى والمبادئ الأخلاقية السامية، وفي مقدّمتها عدالة توزيع الثروة المادية والمعنوية بإنصاف وتعاضد ووجود مساواة في الفرص الحياتيّة.

اليوم، وكجزء من الإيديولوجية النيولبرالية الرأسمالية العولمية، تسعى مؤسسات وشركات ونخب المال والاقتصاد لإقناع العالم كلّه بأن الطريق لمواجهة وحل مشاكل المجتمعات يبدأ من قيم السّوق واستعمال الأساليب التي تحكمه وتنظّمه، وليس من خلال العمل السياسي ذاك.

القادرون على حلّ مشاكل الفقر وتراجع خدمات التعليم والصحة والضمانات الاجتماعية المختلفة وازدياد الفجوة بين الغني الفاحش والفقر المدقع وتقلّص فرص العمل والعمالة المستقرّة ومشاكل البيئة المعقدة، القادرون على حلّ كل ذلك هم رجال الأعمال الأغنياء الذين نجحوا وأبدعوا وغامروا، وهم شركات الاستشارات الماليّة والإداريّة، وهم مؤسسات البحوث والدراسات الاقتصاديّة والماليّة. هؤلاء لن يستعملوا أنظمة وأساليب السياسة، المتهمة بأنها هي التي ساهمت في وجود المشاكل المجتمعيّة، وإنما سيستعملون أنظمة وأساليب وقيم السوق المختلفة والعمل التطوّعي من قبل أصحاب الثروات والوجاهة.

يسأل الإنسان، وكيف سيتّم ذلك؟ والجواب: عتاة وقادة الرأسمالية أولئك سيقومون بمساعدة المحتاجين والضعفاء بأشكال مختلفة وسيساهمون في حل مشاكل المجتمعات وقيادتها نحو الأفضل، ولكن بشرطين:

أن يحصلوا على جزء من أرباح وخيرات تلك العمليات، وألا تمس مصالحهم وامتيازاتهم وثرواتهم بأيُ شكل من الأشكال، بما فيها عدم زيادة الضرائب.

نحن هنا أمام عمل خيري نفعي انتهازي: أصرف جزءاً من ثروتي لمساعدة الآخرين أو حل بعض المشاكل المجتمعيّة أو البيئيّة وآخذ مقابلاً أكبر يزيد من ثروتي من جهة ويجعلني وشركاتي وشركائي مالكين للنفوذ والسلطة بحيث تكون لنا كلمة مسموعة في تقرير نوع مسارات المجتمعات ونوع الأنظمة التي ستحكم تلك المجتمعات.

شعار هؤلاء واضح: ساهموا في التغييرات السطحية التي في الواقع لا تغيّر الأعماق وتبقي التوازنات الحالية التي تحكم المجتمعات كما هي ودون أي تغيير حقيقي يُذكر. وحتى تلك التغييرات السطحية يجب أن تتم بأساليب صديقة للسوق، أي للنظام الرأسمالي الحالي المتوحّش، ولا تخضعه للمساءلة أو التقنين أو الانضباط القيمي الأخلاقي.

المشكلة الكارثية هي أن هذه الإيديولوجية الجديدة، إيديولوجية «تربح - أربح»، إيديولوجية معالجة أعراض الأمراض الاجتماعية دون إزالة أسبابها وإزاحة مسبّبيها الجشعين الفاسدين المتسلطين، إيديولوجية الثقّة العمياء في قدرات الأغنياء والمؤسسات الخاضعة لنفوذهم، هذه الإيديولوجية في صعود وانتشار وتبنٍّ عبر العالم كلّه، سواء من قبل الكثير من المسؤولين القادة السياسيين أو من قبل الكثير من مؤسسات المجتمع المدني. ولها كتبتها وإعلاميوها ومنظروها الداعمون لها.

الكثيرون من هؤلاء فقدوا الثقة في المؤسسات والقيادات السياسية الكلاسيكية. وبدلاً من النضال الدائم من أجل إصلاح تلك المؤسسات واستبدالها بمؤسسات ديموقراطية حقيقية شعبية فضل هؤلاء عيش اللامبالاة وقبول ما يفرضه الواقع الظالم. وهكذا يريدون إقناع العالم بقبول حكم وقيادة الثعلب في حراسة وتسيير أمور الدجاج.

ما يهمنا، نحن الشعوب العربية، الرازحة تحت مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية لا حصر لها ولا عدّ، هو اقتناع الكثير من حكوماتنا وبرلماناتنا وأحزابنا ونقاباتنا بهذه الإيديولوجية الانتهازية واستعمال الكثير من رجالاتها وشركاتها الاستشارية في وضع الحلول لأمراض مجتمعاتنا.

انظر حولك، عبر الوطن العربي كله، وسترى تواجد خبراء تلك المدرسة الإيديولوجية وشركاتها الاستشارية وبنوكها الدوليّة في ساحات الاقتصاد والاستثمار والتعليم والصحة والبيئة والأمن وبناء البنية التحتية وغيرها، يقدمون الحلول التي يدعون بأنها ستكون نافعة بينما أنها تبقي الأمور كما هي ولا تغيّر الأعماق ولا تزيح المتسببين.

هذا بالضبط ما يريده المتسلطون الفاسدون النّاهبون في أرض العرب للإبقاء على امتيازاتهم غير المستحقّة.

 

كاتب ومفكر بحريني

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .