دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 12/8/2019 م , الساعة 5:01 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الطريق إلى الحكمة

الطريق إلى الحكمة
بقلم - منى عبد الفتاح:

ليس غريباً أن تجري أحداث رواية «حاج كومبوستيلا» للكاتب البرازيلي العالمي باولو كويلو، في رحلته التي أسفرت عنها الفلسفة الروحانية في إسبانيا وتأخذ من الإرث الصوفي أساسها. ومن ضمن أقواله على لسان بطل الرواية أنّ الطريق الحقيقيّة للحكمة تُعرف من أمور ثلاثة أوّلها الحب الإلهي. وهذه المقولة تمثل الأسلوب الذي سلكه كويلو في جلّ رواياته التي تتجلّى فيها فلسفته وتنطلق، كما انطلقت من قبل فلسفة التصوّف من البصرة والكوفة تجوب المشرق والمغرب العربي.

وليس غريباً كذلك أن يصدر بعدها رائعته الخيميائي وتدور أحداثها ابتداءً من مضيق جبل طارق إلى المغرب ثم مصر. يعود المغرب الآن للمواءمة بين الصوفية والسلفية، كمخرجٍ من نزعات التطرّف التي انتشرت في منطقة الشرق الأوسط، وحتى لا تتضخم أي من الطريقتين بشكلٍ يصعب معها كبح جماحها أو تدخلا في صراعٍ مع بعضهما البعض.

تنحو المغرب إلى تقريب الصوفية واحتضانها من جديد، وهي في تقدير الكثيرين لأنّها تمثّل بالنسبة للمغرب ليس عودةً للجذور الدينية فحسب وإنّما لدرء الجنوح نحو السلفية الجهادية التي اجتاحت الوطن العربي، ولتخفيف غلوائها خاصة بانتهاجها تكفير النُظُم والحكّام واستخدام العنف محل السلفية التقليدية التي كانت تركز دعوتها على تكفير الأفراد بتخطئتهم عقائديًا، والتنطع في اتهامهم بالشرك وغيرها مما قامت به القاعدة وتقوم به داعش اليوم.

بمقاربة ذلك مع السودان نجد أنّه بالرغم من مظاهر التصوّف الواضحة والتي تجاهد من أجل البقاء في وجه السلفية والتيارات الدينيّة المتفرّعة منها، فلم يتبقَ غير تهدّج صوت الدراويش بلباسهم الأخضر على أنغام مدح النبي صلى الله عليه وسلّم. ويُعتبر صوت الجماعات السلفية الجهادية التي اتخذت من التطرف طريقاً هو الأعلى، في مواجهة المتصوفة الذين يتسم أسلوبهم بالزهد في المظاهر الحياتية السائدة سوى بعض النشاز الذين أصبحت هذه الطريقة سبباً في التفاف الناس من حولهم، بغرض استثمار الزعامة للكسب السريع والقبول بالتبجيل ومغالاة الأتباع (الحواريين) في تعظيمهم، وبعض المظاهر الخارجة عن العقيدة ولكنها تتمسّح بمسوح الدين. ظلّ صوت الصوفية وعدم اهتمام أتباعها بالنزوع نحو السلطة والثروة خافتاً، ولكن في الاتجاه الآخر نما غبنٌ واضحٌ فيما بين الجماعات السلفية وزعماء الأحزاب السياسية الذين تمّ تكفيرهم واحداً تلو الآخر. فقد كفّرت الجماعة من قبل رئيس حزب المؤتمر الشعبي حسن الترابي، ورئيس حزب الأمة، الصادق المهدي، ورئيس الحزب الشيوعي السوداني السابق محمد إبراهيم نقد. وما زالت هذه الجماعات تتخذ من تكفيرالخصوم وسيلة لتصفية الحسابات السياسية والمتعلقة بالمكانة الاجتماعيّة وصراع الأضواء.

يمور البلدان الأفريقيان سواء أكان المغرب أو السودان بشكل خاص ببعض نفحات صوفية تائهة ولكنّ العابرين مثل كويلو استطاعوا أن يروا ما أنتجته هذه الأرض من علاقة الخيال بالتجلي الإلهي كما عند محيي الدين بن عربي الحاتمي الأندلسي المولود من أم أمازيغية. تمّ تدارس هذه الظاهرة من قِبل كثير من الكتّاب كان أبرزهم هنري كوربان الذي كتب دراسة مستفيضة عن «الخيال الإبداعي في تصوّف محيي الدين بن عربي»، كما وردت في كثير من الدراسات الأخرى جاءت كلها مجتمعة في مؤلف لسحر سامي بعنوان «شعرية النص الصوفي في الفتوحات المكيّة لمحيي الدين بن عربي».

ناقشت الكاتبة فكرة الخلق الشعري عند محيي الدين بن عربي والتي يتضح فيما ساقته من بحوث في هذا الشأن أنّها لا تنفصل في جوهرها عن فكرة خلق العالم. ثم قامت باستخلاص بعض ملامح نظرياته خاصة نظريته في التجلي الإلهي وطبيعته الوجدانية والجمالية، ثم نظريته في فكرة الخلق كتجسيد لظهور الخالق في خلقه ورؤيته لذاته في مرآة العالم والموجودات.

خلال قراءتي لهذه الدراسة رجعت إلى التفكير فيما ينقص لتجسيد بعض هذه الرؤى في فلسفة التصوّف وإنزالها إلى واقعه، خاصة أنّ التصوف في السودان مدارس عديدة يعوزها التوثيق وما بقي منها، الغالبية لا تخرج إلى أبعد من ترانيم الشيوخ في حلقات الذكر، والزهد لدرجة التجرّد من كل ما له علاقة بالدنيا. وهناك عدد قليل من الحركات تهتم بجمع الأتباع من الجنسين وبعض الممارسات المريبة أقلّها تغريب هذه الطرق بشكل يجعلها تهتم بكل ما هو غربي حتى الموضة وتنشط في الاستثمار بكلّ الوجوه. في السودان استلبت القافية الصوفية الألباب واستطاعت أن تبرمج أذن أسير الهوى الإلهي دون قيد أو شرط، فقد رسخت كثيراً من ألوان النظم المقفى وغير المقفى في أذهان المتصوفة ومن شاكلهم بناءً على مستوى تلقيهم واستعدادهم الفطري لتقبلها. فالنظم المقفى جاء بناءً على خلفية غير عميقة من الشعر العربي القديم وغير المقفى منه سلك نهج المعاني، وبالرغم من أنّه غامر بالتقفية في سبيل إنقاذ المعنى إلا أنّ الاثنين يصبان في معين نظم موسيقي متولد عن إيقاعات داخلية تحررت من شروط الوزن واستبدلته بشروط الإيمان. وهو ببساطة عبارة عن خليط من التراث الديني وعقيدة الإيمان، ولو أنّ البعض بدون وعي حوّله إلى مثيولوجيا قابعة داخل أسوار الزمان والمكان، إلّا أنّ البعض الآخر الواعي يتعامل مع أشكال المدح على أنّها روح خارجة من النص الديني تفصيلاً وعائدة إليه.

استطاع المدح النبوي في السودان مثلما في نص ابن عربي أن يكتشف علاقة جديدة بين مفردات الكون التي تخضع لتفرّد نظرة الشاعر وقوة خياله، ففي حلقة الذكر يمكننا أن نرى كيف ينتقل الإحساس والفكرة من خلال النبض الشعري بسلاسة متناهية بين المؤدّي ومجموعة المتلقين حتى تصبح الحلقة أشبه بمسرح لأحداث يحرّكها الأثر الفني.

ربما يكون السودان قد نجح إلى حد ما في إبقاء النهج الصوفي في الظل للجوء إليه في ساعة الشدة المذهبية، أما المغرب فهو يتحسس الخطر المُحدق بشكل عام ويحاول العودة إلى نمط المرجعيات الدينية التقليدية ولكنه في نفس الوقت يحتفظ بما يطلق عليه حديثاً «الفقه المتحرّك».

كاتبة سودانية

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .