دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 12/8/2019 م , الساعة 5:01 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية : اّراء و مقالات : المنتدى :

رجاء النقاش الذكرى التي لا تزول (2-2)

رجاء النقاش الذكرى التي لا تزول (2-2)
بقلم - جهاد فاضل:

كتبت في مجلة «الحوادث» مرة مقالاً عما يبقى للتاريخ من عدد من الكتّاب العرب، ذكرتُ من بينهم فريدة وأمينة النقاش، فقلت إن ما يبقى من فريدة وأمينة الكاتبتين اليساريتين المُناضلتين في حزب التجمّع المصري هو شقيقهما رجاء..

ومرّت الأيام بعد ذلك ونسيت ما كتبت وزرت القاهرة، ولمّا التقيت برجاء وجدته يغرق في الضحك دون أن أعرف السبب، وعندما أمكنه الكلام قال لي إنه ضحك أكثر عندما قرأ «مقال الحوادث» ذلك أن رأيه في الماركسيين العرب لم يكن مُختلفاً عن رأيي.

ولم يكن رأيه في النقد البنيوي وما إليه مُختلفاً أيضاً عن رأيي، فقد كنت أتابع كتاباته النقدية في فترة صعود النقد البنيوي في الربع الأخير من القرن العشرين وهو مُستمر في خطه النقدي الذي عُرف به دون أن ينحرف عنه، والقيامة البنيوية قائمة في المغرب وتونس و»فصول» المصرية وسواها من الأمكنة والمنابر، وقد ظن كثيرون يومها في حمى النفوذ المُتعاظم للبنيويات أنها ظافرة ولا غالب لها، فلم تمض عدة سنوات حتى تراجع هذا النفوذ وبدأ يتعقلن ويُراجع البنيويون العرب تجربتهم ويتخلّصون من التبعية الثقافية التي ميّزت علاقتهم الأولى بهذا النقد الذي ظل زمناً طويلاً مُحتفظاً بملامحه الأجنبية.

وأثبت الزمن أصالة ما كتب رجاء النقاش من أدب ونقد وصحته وصوابيته ومكانته في الأدب والنقد العربي الحديث.

ومن يَعُد إلى الدوريات التي عمل فيها رجاء ومنها مجلة الدوحة ومجلة الهلال يعثر على كنوز جديرة بأن يتوفّر لها من يجمعها ويُعيد قراءتها، وإلى اليوم مازلت أعود إلى كتبه لأستمتع بها وأنتفع، وبخاصة لمعرفة أسرار الكلمة الأنيقة الدافئة النازلة منزلها والتحليل السوي والإحاطة التامة بالموضوع الذي يُعالجه، وعندما أتيقن أن كل ذلك مضى ولن يعود وأن رجاء قد غادرنا إلى الأبد، يطبق عَليّ يأس لا أتحرّر من أسره بسهولة، ذلك أن رجاء كان إحدى نعم هذه الدنيا بالنسبة إليّ.

أيكة ياسمين تفوح على الدوام وشجرة مغروسة على ضفة نهر أعضائها دائماً خضراء ومُثقلة بالثمر.

وفي سيرتنا المُشتركة ما لا يُحصى من النعم التي أسبغها عليّ، منها مقال كتبه عني وعن المعركة التي نشبت بيني وبين الشاعر الكبير نزار قباني بخصوص ديوانه «قصائد مغضوب عليها» الذي حمل فيه حملة هوجاء على العرب، بدأه بالتعريف بي وبدافعي للكتابة عما كتبت وبكون نزار لم يكن الشاعر العربي الوحيد الذي حمل على أمّته أو على بلده، فقد سبق حافظ إبراهيم نزار قباني في حملته على بلده مصر وسبق المتنبي الاثنين في حملته على الوضع في مصر زمن كافور. مقال رجاء منشور في كتابه «ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء». وهو كتاب لا يُبالغ المرء إذا اعتبره وثيقة من وثائق النقد والشعر العربي المُعاصر على السواء وفيه من الآراء والأحكام ما يصلح للتدريس في المدارس والجامعات، وما يصلح بصورة خاصة ليؤلّف مادة للقراءة عند الأدباء والشعراء الشبان فما أحوج هذه الفئة من المُتأدبين إلى مُعلّمين وأساتذة يَلزمون مَجالسهم ويتثقفون على أيديهم كما كان مريدو الأدب في التقديم يَلزمون شيوخه.

وقد كان رجاء النقّاش بالذات أحد المعلّمين والأساتذة الكبار الذين عَرفوا القديم معرفة كاملة ولَزموا شيوخ الأدب في شبابهم وأخذوا عنهم وآمنوا معهم بأن أول التجديد قتل القديم، فهما كما كان يقول الشيخ أمين الخولي وهو أحد شيوخ التجديد في زمانه، وقد خاض رجاء معارك ضارية بوجه عدد من الأدباء المصريين الكبار في زمانه منهم عباس محمود العقاد الذي كتب رجاء كتاباً عنه بعنوان «عباس محمود العقاد بين اليمين واليسار».

وإذا كان رجاء قد اهتم اهتماماً بالغاً بالأدب العربي المُعاصر والحديث، فإن قارئ أدبه يجده في الواقع موزّعاً على الحديث وعلى القديم معاً، وإن إجادته لأحدهما لا تقل عن إجادته للآخر، ويمكن للمرء أن يطّلع على دراسة له عن أبي الطيب المتنبي ليتأكد من ذلك. تبدأ هذه الدراسة المنشورة في كتابة «ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء» بكلمة وردت في إحدى يوميات الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين تقول: «إن المتنبي كان أعظم الشعراء وأحط الشعراء في آن»، يأخذ رجاء هذه الكلمة أو هذا الحكم الظالم برأيه، ويُفنّده في بضع عشرة صفحة تنم عن علم واسع بسيّد شعراء التراث العربي، وعن نزعة إنصاف صحبت رجاء طيلة حياته.

ولم أعرف كاتباً اكتشف عدداً من الشعراء والروائيين والأدباء كرجاء النقاش. ولم أعرف سريرة نقيّة ملائكية مُثقلة بالفضائل مثل سريرة رجاء النقاش. أفسّر أحياناً نقاء هذه السريرة بالأسرة التي نشأ فيها رجاء، وبالقيم التي تربّى عليها وإن كنت أميل أحياناً أخرى إلى أنها نوع من الهبات الإلهية المثبوتة في الذات. وكثيراً ما يُشبّه لي أن رجاء هو أحد الأولياء مثله مثل الطيب صالح، وليس مجرد مؤمن من المؤمنين. يرحل الأحبّة ولا يرحلون، ويبقى في القلوب الكثير من طيب ذكراهم وما أصدق بدوي الجبل عندما قال:

زهور الربى بعد الربيع بعيدة

ويدنيك منها في قواريره العطر!.

 

كاتب لبناني

شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .
جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .