دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 13/8/2019 م , الساعة 3:32 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

الطبقة السياسية القديمة وإعادة إنتاج الأزمة

الطبقة السياسية القديمة وإعادة إنتاج الأزمة

بقلم - د. خالد التيجاني النور

في حين لم يتبق سوى أيام معدودة ليتم التوقيع النهائي على الوثيقة الدستورية لبدء سد الفراغ الدستوري والتنفيذي الذي يُعاني منه السودان لأكثر من أربعة أشهر، فإن الغموض بات سيد الموقف ليس بشأن مصير المُحادثات الجارية في القاهرة بين مكونات قوى الحرية والتغيير المُتشاكسة حول مسائل ظاهرها يتعلق بقضية السلام المحورية، وباطنها الحقيقي المسكوت عنه هو الصراع على اقتسام السلطة بين أطراف الائتلاف العريض الذي فوّضه الثوار ليعبُر بهم إلى تأسيس نظام ديمقراطي مُنتخب عبر فترة انتقالية ذات مهام مُحدّدة تقودها حكومة قومية من كفاءات غير حزبية حسبما نص عليها «إعلان الحرية والتغيير».

يبدو أن بعض هذه القوى السياسية لم تطق صبراً على الانتظار فتريد أن تلحق بقطار السلطة مُتنكّرة لتعهّداتها للشعب، وها هي تستعيد نمط المُمارسة ذاتها التي أتقنها النظام السابق، القائمة على إبرام الصفقات الثنائية بين النُخب واقتسام السلطة والثروة على حساب المُعالجات الجذرية الشامل لقضايا السودان، وأثبت هذا الصراع العبثي المُتجدّد على السلطة أن نظام البشير سقط رسمياً وبقيت ممارساته شاخصة، فالمفاوضات التي جرت طوال الأشهر الأربعة الماضية ظلت تدور حول هياكل السلطة، وليس حول أجندة وقضايا التغيير الحقيقية المُعبّرة عن الثورة وعن هموم الجيل الجديد الذي فجّرها.

كان الملمح الأبرز لهذه الثورة المجيدة أنها حملت تطلعات جيل الشباب الذي قدّم تضحيات كبيرة من أجل أن يصنع لبلاده مستقبلاً جديداً في قطيعة تامة ليس مع نظام «الإنقاذ» المُنهار فحسب، بل مع النظام السياسي السوداني القديم الذي ظلت مُعادلاته تسيطر على الحياة السودانية لقرن كامل وسط حالة انقسام مُستدام، عجزت معه عن التوافق على مشروع وطني جامع يستوعب التنوع المُتعدّد الأوجه كمصدر لإثراء المجتمع، ويقي من الصراعات، يُحقق السلام والاستقرار والكرامة والنهضة.

فقد ظل النظام السياسي القديم على تعاقب الأنظمة عاجزاً عن تحقيق التغيير الذي ينادي به الجميع، وأبعد ما يحدث أنه يدور حول المُعطيات ذاتها يُعيد إنتاج أزماته لأنه يكتفي في أحسن الأحوال بتغيير الوجوه، بينما تظل الذهنية المأزومة المُنغلقة المُنتجة للأوضاع المأزقية باقية على نمط التفكير نفسه، غير قادرة على التحرّر من قصورها الذاتي.

وعلى الرغم من الزخم النوعي الكبير الذي ميّز الثورة السودانية الثالثة، إلا أن التعبير السياسي عن هذا التميّز لا يزال غائباً، فبعد مرور 4 أشهر على إسقاط النظام لا يزال يطغى على المشهد نمط الجدل نفسه الذي عرقل حدوث تحوّل حقيقي للنظام السياسي، وحتى الاتفاقات غير المُكتملة التي تم التوصّل إليها بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير بعد طول انتظار ووسط خلافات حادة لم تنتج جديداً يُشكّل إضافة في طريق التغيير.

بل أعاد ببساطة نمط الصراع الموروث نفسه حول اقتسام السلطة، وليس حول مفاهيم ومهام انتقال أكثر عُمقاً تستجيب لاستحقاقات تحوّل نوعي في مسار مستقبل الدولة السودانية بما يتفق وتطلعات جيل جديد مُنشغل بأجندة المُستقبل أكثر مما هو مشدود للماضي بكل إخفاقاته، والمُفارقة أن الذين قادوا التفاوض من قوى الحرية والتغيير لم يتمثلوا هذه الحساسية للفارق الجيلي ومشاغله، ولذلك أعادوا إنتاج النوع نفسه من الاتفاقات السابقة في السياسة السودانية التي بدا لوهلة أنها تضع السودان على مسار جديد فإذا بها تعمّق جراحه.

فلا يزال نموذج اتفاق السلام الشامل في العام 2005 الذي فصّل تفصيلاً كل مُتطلبات التحوّل الديمقراطي واحترام التنوّع واستيعابه بحسبانه أساس التسوية المتين، ولكن ذلك لم يغن شيئاً ولم تجن البلاد غير فقدان وحدتها الترابية لأن طرفي الاتفاق الثنائي، كحال الاتفاق الحالي، لم تكن مُستعدة لدفع استحقاقات تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي لأنها لا تضمن الاستفادة لذاتها من ثمراته، لذلك كان الهدف الوحيد المُشترك الذي جمع بينهما كيف تلتف على الاتفاق لتحقيق مكاسبها الحزبية الضيّقة وليس لتجسيد المصالح الوطنية العليا.

فقد كشفت تفاعلات القوى السياسة القديمة خلال الأشهر القليلة الماضية، بما في ذلك المجلس العسكري، أن عقلية المناورات لحصد المكاسب، بالطبع تحت لافتة شعارات كبيرة، هي التي حكمت تصرّفات الجميع، فالعسكريون الذين يعلنون أنهم لا يريدون البقاء في السلطة إلا لأجل معلوم كضامنين للانتقال، بذلوا كل ما في وسعهم لتثبيت دورهم بداية من مُحاولة صناعة قاعدة اجتماعية موالية من المجتمع التقليدي القبلي، وانتهاءً باستخدام عنف مُفرط لم يستخدموه حتى في زمن النظام السابق فقط في محاولة من أجل تغيير ميزان القوة لتحسين موقفهم التفاوضي.

وفي المقابل لجأت بعض قوى الحرية والتغيير أيضاً، وسط خلافات بينها في غياب إطار قيادي حاكم، لاستخدام الشارع وتسخينه، دون اتفاق بينها في رفع سقف التوقعات لتحسين موقفها التفاوضي، لكن ذلك لم يكن بغير تضحيات غالية دفع ثمنها مئات الشباب من دمائهم الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة عنف العسكر بلا غطاء، ومع كل المُطالبات بالمُحاسبة والمُساءلة، عادت هذه القوى للتفاوض مع المجلس العسكري والتوصّل معه لاتفاق لاقتسام السلطة على الرغم من كل التعهّدات بعدم حدوث ذلك.

وكما هو متوقع في مثل هذه الاتفاقيات الثنائية غير الشاملة، فإن الأطراف التي تجد نفسه خارج مُعادلاته سرعان ما تنخرط في مُناهضته، وفي هذه الحالة فإن بدا متوقعاً أن تعارضه القوى السياسية التي كانت طرفاً في معادلات «الإنقاذ» وأقصيت من المشاركة في الفترة الانتقالية، فإن أطرافاً شريكة في قوى الحرية والتغيير أيضاً نفضت يدها، مُعتبرة نفسها خارج مظلة هذا الاتفاق على الرغم من أن قضية السلام والتفاوض مع هذه الحركات تمثل أولوية مهام قضايا الانتقال، إلا أن ذلك كان بمثابة تحصيل حاصل على ضوء أن معادلة اقتسام السلطة في الاتفاق ستنفّذ فوراً دون انتظار لما يسفر عنه التفاوض.

ووسط هذا الركام من الحضور الطاغي لمكونات النظام السياسي القديم، فإن بقاء الجيل الجديد الذي فجّر هذه الثورة خارج دائرة الفعل بحسابات المُعادلة الراهنة، وفي ظل اتفاق هش، يُعيد إنتاج الفترات الانتقالية الهشة، فإن توقع حدوث تحوّل ديمقراطي حقيقي يبقى أمراً بعيد المنال.

كاتب وصحفي سوداني

khalidtigani@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .