دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 19/8/2019 م , الساعة 4:06 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

المُعجِب في أخبار المغرب

المُعجِب في أخبار المغرب

جهاد فاضل

يصف عبدالواحد المراكشي في كتابه (المُعجِب في أخبار المغرب) وهو من الكتب الأندلسيّة، أثر عرب المشرق في ثقافة الغرب الإسلاميّ، ومنه الأندلس، بقوله : «ما رنّ» صوت في المشرق إلا وكان له صدى في المغرب، وهو وصف يدل على عمق هذا الأثر ونفاذه. وسبب ذلك أن المغاربة والأندلسيين كانوا ينظرون إلى المشرق على أنه وطن الروح والفكر والأدب والثقافة، أي بلغتنا اليوم «عاصمة الثقافة العربية والإسلامية» وكانوا يتبركون بكل ما يأتيهم منه ويقلدونه ويطلقون على النوابغ من شعرائهم ألقاباً شرقية مثل «بحتري الغرب» و»متنبّي الغرب»، وبلغ من توقيرهم نمطَ الحياة في قصور بغداد أنهم عهدوا للمغني زرياب القادم إليهم من المشرق بصياغة أساليب حياتهم البورجوازية في قرطبة وسواها من حواضرهم على أساس أنه لم يكن مجرد مغنٍّ بل عالماً أيضاً بالحياة الرغدة التي كان عليها المشارقة.

ولكن كل ذلك بات مجرد صفحة من التاريخ لا أكثر. فقدْ فقدَ المشارقة المعاصرون سواء في بغداد ودمشق وبيروت وصولاً حتى إلى القاهرة كل أثر ثقافي في لهم في حاضر الثقافة في بلدان المغرب العربي الثلاثة: المغرب والجزائر وتونس، وباتت هذه البلدان هي صاحبة التأثير لدى مثقفي بلدان المشرق. لقد انسحبت أسماء طه حسين، والعقاد، والمازني، وهيكل، والحكيم من التداول في سوق الثقافة العربية، لأنها أدّت دورها وحلت محلها أسماءٌ مغاربيةٌ مثل الجابري، والعروي، وكيليطو، وهشام جعيط، وبنسالم حميش، وعبدالمجيد الشرفي وعشرات من مثل هذه الأسماء التي اعتمدت أو تعتمد المناهج والطرائق العلمية في البحث، وتجيد - قبل كل شيء- اللغة الأجنبية، ولا تهاب ممارسة النقد والبحث كما يمارسهما أدباء الإفرنج، فالباحث المغاربي وحتى يثبت العكس باحث فظّ غليظ القلب صداع لا يقنع بما دون الحقيقة وإعلائها أياً كانت بلا خوف ولا وجل، ويبدو أنه كان لقرب المغاربة من أوروبا أثره في هذه المقابسة الثقافية التي ولجت منها إلى ثقافتنا المناهج الجديدة والتعامل الحرّ الطلق مع تراثنا القديم، ولم يكن لمثل النهضة الثقافية في بلدان المغرب أن تعطي ما أعطت لو لم يتقن المشاركون فيها تراثهم وتراث الغرب معاً، ولو لم يندمجوا اندماجاً صريحاً في الثقافة الغربية خالياً من العُقد التي تحكمت أيما تحكم بمثقّفي المشرق مثل «الغزو الثقافي الأجنبي» وسواها من العُقد التي كانت من أسباب هذا التصحّر الذي يجتاح عواصمنا في المشرق، وكانت فاتحة هذا التصحر مبكرة إذ سارت في شوارع دمشق في الأربعينيات مظاهرة طالبت بالاستقلال عن فرنسا، رفع خلالها المتظاهرون ولداً يدعى «تيسير» هتفوا بحياته لا لشيء إلا لأنه نال صفراً باللغة الفرنسية.

ويبدو أن «تيسير» أنجب ما لا يحصى من الأدباء والباحثين والأكاديميين المشارقة الذين لا يعرفون من اللغات والثقافات والمناهج السائدة في بلدان الغرب سوى ما تيسّر. والدليل الأبلغ على ذلك هو ندرة الكتاب العربي الحديث الجيد سواء في عالم الأبحاث والدراسات أو في سواه، وعلى الخصوص ندرة المراجع الأجنبيّة في هذه الكتب وهي عصب الكتب. ولا شكّ أنّ من بين أسباب هذه الكارثة التي وصلنا إليها التوقّف عن إرسال البعثات التعليميّة إلى الخارج، كما كان يجري في مصر زمن الملكية ومناخ الاستبداد الذي ساد في بلداننا في النصف الثاني من القرن العشرين، ومناخ المذهبية والطائفية السائد الآن، وكلها مناخات مملوءة بالسموم التي تقضي على البذور الواعدة أو تصيبُها بالعدوى أو بالشلل والنتيجة واحدة وهي انعدام الكفاءة والتقدم في الجامعات العربية وعند أساتذتها، وندرة الباحث في الجامعات السورية والعراقية واللبنانية وصولاً إلى المصرية وانتقال بؤرة الضوء والحضارة والعلم والحداثة وابتغاء الحقيقة كما هي إلى بلدان المغرب العربي الثلاثة التي باتت تصدر إلى عواصم المشرق العربيّ ما كانت تصدره مصر أو لبنان إليها في السابق. لقد أصبحت بلدان المغرب اليوم هي عواصم الثقافة العربية بلا منازع، ولم يعد لعواصم المشرق سوى دور محدود في حاضر هذه الثقافة يقتصر على الأرجح على القراءة، هذا إذا ثبت أن القراءة تجد من يمارسها فيها بالفعل.

الشمس تشرق من الغرب هذه المرة وتعمّ فائدتها بلدان الشرق العربي، وعبدالواحد المراكشي لم يخطئ في حكمه عن أثر المشارقة في ثقافة الأندلس والمغرب في زمانه، لقد كانت بغداد رغم الضعف الذي كانت عليه خلافتها زمن المراكشي هي «روما».. الإمبراطورية العربية التي كانت الأندلس جزءاً منها أو «آستانة» هذه الإمبراطورية، فالشعراء الكبار، والكتّاب الكبار على أنواعهم، منها أو من مدن عربية مشرقية قريبة منها، وكان العلم والأدب والمجد والتاريخ، ينتسبون إليها، وأهلها مثل أهل الشام، التاريخ من فضلتهم، كما يقول الشاعر، وفيها وُجد «دار الحكمة» أو بيت الحكمة، وهو أكاديمية المأمون وذلك الزمان. بادَ كل ذلك الآن لنستيقظ ولا أهل ولا دار ولا جامعات ولا كتب ولا لغات ولا أثر.

كاتب لبناني

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .