دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 20/8/2019 م , الساعة 3:24 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

السيطرة على الرأي العام

السيطرة على الرأي العام
بقلم - أحمد ذيبان:

مضى الزمن الذي كانت فيه الأنظمة الشمولية تمتلك أدوات وأساليب لفرض أيديولوجيتها وتوجهاتها السياسية والثقافية على مواطنيها، من خلال امتلاكها وسيطرتها على وسائل الإعلام والمنابر الثقافية والحزبية، وكان أي صوت مُعارض يبدو نشازاً، يتم قمعه ومُعاقبته بأشكال مُتعدّدة، قد تصل إلى السجن أو الإعدام، وأقلها التضييق عليه في أساسيات الحياة وحقوقه الإنسانية في العمل والسفر، ولأن هذا النهج منافٍ لطبيعة الإنسان، فقد انهار مع سقوط جدار برلين وتفكّك الاتحاد السوفييتي.

وقد عبّرت عن ذلك بدقة رواية «1984» للكاتب البريطاني جورج أوريل التي كتبت عام 1949، وترسم صورة لمجتمع يُلغى فيه العقل، ويُجرّد فيه الإنسان من كل ما هو إنساني، نتيجة الخوف والقهر والتعذيب، فتسلب حريّة الإنسان، وتفضح خصوصياته، ويُصبح مُحاصراً بوسائل المُراقبة والرصد التي يضعها «الأخ الأكبر»!.

فرَضَت ثورة الاتصالات وأهم منتجاتها شبكة الإنترنت تحديات غير مسبوقة، حيث أصبح العالم أشبه بـ»كرة زجاجية»، وبات يصعب على أي سُلطة حجب المعلومات، واستخدام أساليب التربية التقليدية لتوجيه الرأي العام، فالمعلومات تتدفق على رؤوس البشر مثل أشعة الشمس!.

هذه المُعطيات أربكت الكثير من الحكومات التي تنظمها «أنظمة أبويّة»، حيث إن السيطرة على توجهات الرأي العام لم تعد ممكنة، نظراً لاتساع وسهولة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي بين المواطنين، وتناقل المعلومات والأخبار والمحتوى عبر هذه الوسائل. وأصبح بإمكان أي مواطن التعبير عن رأيه ونقد سياسات الحكومة بحُريّة وبسقف مُرتفع، بدون رقابة أو الحاجة لاستخدام وسائل الإعلام التقليدية.

في الأردن كما العديد من الدول العربية والأجنبية المُشابهة في أنظمتها، شعرت الحكومة بخروج نسبة كبيرة من الرأي العام عن «السلطة الأبويّة»، بفضل ما وفّرته وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني، من هامش غير مسبوق في حريّة التعبير، فوضعت الحكومة بين أولوياتها إنتاج أدوات جديدة وبعضها مُستنسخ عن تجارب خارجية، في مُحاولة لتوجيه الرأي العام تحت عنوان «مُحاربة الشائعات وكبح الفوضى الإلكترونية!.

وأحدث هذه الأساليب إطلاق ما سُمي مشروع «التربية الإعلامية والمعلوماتية»، كمنهاج دراسي في المدارس والجامعات، وكما تقول الحكومة فإن هذا المشروع يهدف إلى تسليح الطلاب والطالبات بالوسائل التي تحميهم من الإنترنت ومخاطره!، في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات وتوعية الناشئين حول كيفية التعامل مع «السوشيال ميديا»، ومواجهة المحتوى المُضلل وسد الباب أمام الإشاعات ووقف تداول المعلومات الضعيفة والمُضللة. والمعنى واضح وهو توجيه بوصلة الشباب وتفكيرهم وتوجّهاتهم، وهو ما يمكن اعتباره محاولة لـ»تأميم الوعي»، على طريقة تأميم المُنشآت الاقتصادية قبل طغيان زمن الخصخصة!.

وسبق أن أطلقت الحكومة مُبادرتين في إطار هذا النهج، الأولى منصة «حقك تعرف» وخصّصتها لدحض الشائعات ومُواجهة ما وصفته بـ»تسونامي» المعلومات المُضللة، والأخبار المُلفقة المُنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

والثانية مُنصّة «بخدمتكم» وخصّصت لتوجيه الأسئلة للحكومة، أو تقديم الاقتراحات أو كيل المديح للإنجازات الرسمية، ولكن، هاتان المنصتان بدا أنهما محاولتان فاشلتان منذ الأشهر الأولى لإطلاقهما، رغم حملة الترويج الواسعة التي قامت بها الحكومة، بل أن ردود الفعل الشعبية على المنصّتين اتسمت بالسخرية، من قبل النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، وذهب بعضهم إلى التكهّن بأن الحكومة تقوم بإطلاق شائعات ثم تقوم بنفيها!، وأنا شخصياً طرحت عديد الأسئلة حول سياسات حكومية، عبر منصّة «بخدمتكم» ووجدت نفسي كمن يدور في حلقة مُفرغة.

صحيح أن الحياة لا تستقيم مع الفوضى، ولابد من منظومة تشريعية تكفل الحقوق والواجبات والحريّات، وهناك عديد القوانين التي تتضمّن عقوبات لمن يتجاوزون الخطوط الحمر وينتهكون الحريات الخاصة. ولابد من مُلاحظة أن الإعلام في البلاد العربية، إما خاضع لهيمنة الحكومة أو مُستقل ضمن هامش مُحدّد، بعكس وسائل الإعلام الغربية التي تشكّل مؤسسات مُستقلة تديرها شركات استثمارية كبيرة تلعب دوراً مهماً في الحياة السياسية.

وزبدة الكلام، أن السيطرة على توجهات الرأي العام لم تعد ممكنة بالأساليب القديمة، والسبيل الوحيد لإقناع الناس بالسياسات العامة، هو الشفافية وتدفق المعلومات والمصداقية والثقة، وتحقيق إنجازات يلمسها الناس على الأرض.

 

كاتب وصحفي أردني

Theban100@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .