دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 26/8/2019 م , الساعة 3:37 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أرض النوبة ودعاوى الانفصال

أرض النوبة ودعاوى الانفصال
بقلم - منى عبد الفتاح

تبرز قضية النوبة في مصر والسودان في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وفي عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، كوجه متناقض لمحاولات الربط الفاشلة بين العروبة والأفريقانية. وما فعلته الحكومتان تجاه قومية النوبة - وهي القومية الأكثر حرصاً على ثقافتها ولغتها في منطقة وادي النيل - أن عملت بسياسة فرّق تسد، السياسة التي انتهجها الاستعمار الأوروبي على الدول الأفريقية في القرن الماضي.

ومشكلة النوبة قديمة، منذ أن قام الاستعمار الإنجليزي ببناء خزان أسوان عام 1902م، فطمرت المياه القرى النوبية، ثم قام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بمعاونة الرئيس السوداني إبراهيم عبود بتهجير النوبة في الجانبين المصري والسوداني عام 1963م لبناء السد العالي، ويُقضى على إرثهم الثقافي وحضارة قامت في هذه المنطقة منذ آلاف السنين.

قبل بناء السد العالي كانت النوبة موحّدة لا تفصل بينها الحدود السياسية بين البلدين، وكانت تُطلق النوبة على سكان المنطقة الواقعة من أسوان إلى ملتقى النيلين في السودان، وبعد بناء السد العالي تم التقسيم السياسي باسم نوبة مصر ونوبة السودان في أول تفرقة حقيقية للنوبيين، حيث فصل السد والأراضي التي تمّ تهجير النوبيين منها في الجهتين بين الأهالي والعوائل. فتمّ توطين النوبة السودانيين في مناطق حلفا الجديدة وخشم القربة، بينما تم توطين النوبة المصريين في مناطق كوم أمبو وإسنا. وبإبعادهم عن أراضيهم المتاخمة للنيل فقدوا نشاطاتهم الاقتصاديّة، وتمّ تعويضهم سكنياً في منطقة قاحلة لا زرع ولا ماء. وهكذا تفرّقت بأهالي النوبة السُبل ضرباً في الأرض بحثاً عن الرزق والعيش الكريم.

أفرز هذا الوضع تحرّكات معارضة نشطة آخرها حركة كتالا النوبية المسلحة. ومع أنّ هذه الحركة وجيهة في طرحها ومطالبها، إلّا أنّ إعلام السيسي حاول ربط بروز هذه المطالب بفترة حكومة الرئيس السابق محمد مرسي، وذلك حتى يتم إخمادها تحت أوهام الخلاص الذي سيكون هو بطله. ولبُعد صوت النوبة عن الإعلام الرسمي، فقد كان من السهل فبركة لقاء مع أحد أبنائهم ليتحدّث نيابة عن شعبٍ كامل، مدعياً الاتفاق مع ما جاءت به الحكومة من حلول. تحدّث أسامة فاروق القيادي في حركة كتالا النوبية، بعد انقلاب يوليو العسكري وذكر أنّهم لم يطالبوا بالانفصال عن الدولة وإنّما اعتراض على حكم مرسي. وزاد إعلام الانقلاب بقوله إنّهم ليسوا ضد مصر وإنما ضد التفرقة بين نوبيي الشمال والجنوب، بل رمى باللائمة على الزعيم محمد نجيب في قبره بأنّهم قبله كانت بلادهم هي مصر والسودان ومطلبهم الآن أن تعود النوبة وتشمل أراضيهم شمال وجنوب الوادي.

الغريب في هذه التمثيلية أنّ كلا الطرفين بالإضافة إلى جمهور المشاهدين من أهل النوبة وغيرهم يعرفون حقيقة الأزمة. لم يكفّ الإعلام عن اختلاق مثل هذه القصص إلا بعد أن ظهرت أصوات نوبية أخرى من المَهاجر معترضة على تمييع مطالب شعبهم، وتبخر أملهم في العودة بإصدار الرئيس السيسي للقرار الجمهوري رقم (444) في ديسمبر 2014م. قضى هذا القرار بإخضاع جزء كبير من أراضي النوبة ضمن بعض المناطق الحدودية لإدارة وسيطرة القوات المسلحة وجعلها منطقة عسكرية غير مسموح بتواجد السكان فيها. وهنا لم يكن من أبناء النوبة الحقيقيين إلا أن رفعوا دعوى قضائية للطعن في القرار الجمهوري والمطالبة بالحكم الذاتي.

الإضاءة الأخرى على هذه القضية هي أنّ المكون لقومية النوبة يمتدّ من شمال السودان إلى جنوب مصر. ويعتبر نوبة السودان المكوّن الأكبر مساحة والأكثر عدداً لبلاد النوبة في وادي النيل. وإن استطاع نوبة السودان التواؤم قليلاً مع بقية السودان، فإنّ نوبة مصر لم يستطيعوا ذلك. وبالرغم من تهميش النوبة في البلدين، إلا أنّ النزعة الانفصاليّة عند النوبة في مصر تبدو أعلى صوتاً من مطالبات النوبة في السودان الذين تخمد عندهم هذه النزعة، وذلك لعدة أسباب. أولها أنّ نوبة السودان بحكم سعة إقليمهم وبعدهم عن المركز، وانعزالهم النسبي فما زالوا يحافظون على هويتهم ولغتهم النوبية وتقاليدهم ولم يتم فرض أي من وسائل طمس الهُوية كما حدث مع النوبة في مصر. وهناك سببٌ آخر وهو قصور الظلّ الإداري لحكومة الخرطوم، عن تغطية ما يحدث في منطقة النوبة أو الانتباه للمنطقة سلباً أو إيجاباً، فالحكومات السابقة لم تكن منشغلة بما يحدث في الشمال، لتركيزها على مناطق النزاعات المتعدّدة في دارفور ومنطقة جنوب كردفان أو الجنوب الجديد للسودان. كما تُضفي طبيعة تعقيد الشخصية السودانية، بُعداً آخر يتمثل في عدم الرغبة في الاحتجاج حالياً. ولو أرادوا ذلك فالسودان بلد اختبر النزعات الانفصاليّة الناجحة منها والفاشلة، بالإضافة إلى أنّ ثقافة التسامح التي كانت تميّزه كبلد متعدّد الأعراق والألسنة والألوان، بدأت تتلاشى بفرض ثقافة ركّزت على السودان الأوسط الذي تمّ اختصاره في المثلث الذي يضم ولاية الجزيرة امتداداً إلى مقرن النيلين حيث الخرطوم والخرطوم بحري وأمدرمان.

يشكو نوبة السودان من التهميش أيضاً، ولكن ضمن قوميات مهمشة هي الأخرى، في بلد فسيفساء متعدّد الأعراق واللغات والقبائل، الموزعة على كل جغرافيا البلد أغلبها غير عربية مثل غرب السودان، وجنوب السودان الذي انفصل حديثاً وخلَفه الجنوب الجديد الذي يتكوّن أيضاً من قبائل زنجية، ثم شرق السودان الذي يتكوّن في غالبه من قبائل غير عربية. تبقّى الوسط وهو قلب التمركز العربي والذي أثار كثيراً من ملاسنات ونقاش المركز والهامش، فقد حركت الصراع السياسي الدائر ومعظم حروب السودان، فكرة المركز العربي المسلم المسيطر على الهامش المتنّوع.

ما زال حلم العودة إلى تخوم بحيرة النوبة وضفاف النيل في مصر والسودان، يداعب خيال أعرق قومية في وداي النيل. وإن بدا الحلم خامداً من قبل، فإنّ عوامل عديدة مثل الاستفزازات المتمثلة في بعض القرارات وطول أمد التهميش لهي كفيلة ببعث النزعة الجهويّة من تحت الرماد.

كاتبة سودانية

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .