دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 25/8/2019 م , الساعة 4:09 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

تونس والعربي الجديد.. والديمقراطية المُلْهِمة

تونس والعربي الجديد.. والديمقراطية المُلْهِمة

بقلم - طه خليفة :

تونس مهد الربيع العربي، والبلد الوحيد الذي نجا من انتكاسة الربيع في موجته الأولى 2011 تؤسس لديمقراطية ناشئة جادة، هذه الديمقراطية إضاءة وسط استبداد عربي مظلم يقاوم محاولات الإصلاح والتغيير، ويرفض تغليب الإرادة الشعبية، والحكم الرشيد.

وإذا كان القلق لا يزال يساور دعاة الحرية بشأن الربيع في موجته الثانية بالجزائر والسودان حيث يعمل أشرار الاستبداد على كسر التجربتين قبل أن تنطلقا وتؤسسا للدولة الحديثة المأمولة التي يختار الشعب فيها حكامه وممثليه بحرية، فإن تونس في مسارها السياسي الناجح تقدم الدرس المُلِهم للسودانيين وللجزائريين -وللعرب جميعاً، ومنهم أصحاب التجارب المنكسرة- بأن هناك أملا في إنجاز التغيير وتنفيذ أهداف الثورات، وما على الأشقاء في البلدين إلا التمسك بهذه الأهداف والتوحد وعدم السقوط في فخ القوى القديمة المتربصة بهم، ففي تشتت الصف الثوري الفرصة الثمينة للثورات المضادة للعصف بكل أحلام بناء الدولة المدنية الديمقراطية.

ومن الجيد أن شعبي البلدين منتبهان إلى هذه المخاطر، وبدت إشارات النجاح في السودان بتوقيع الوثيقة السياسية والدستورية قبل أيام، ونتج عنها تشكيل المجلس السيادي الحاكم من عسكريين ومدنيين بديلاً عن المجلس العسكري الانتقالي، علاوة على استكمال قواعد النظام من حكومة مدنية، ومجلس تشريعي.

وتطورات السودان الإيجابية ستزيد الجزائريين إصراراً على عدم التفريط في إنجازهم الثوري، وتطلعهم لبناء الدولة الجديدة، والنظام السياسي الديمقراطي الذي يحلمون به منذ عقود، ويحدثون قطيعة مع حكم الفرد.

الشعوب العربية هي عقل ووجدان واحد، يجمعها خيط الرغبة في حكم الشورى الحقيقي وصورته الحديثة اليوم هي حكم الديمقراطية عبر آليات الانتخابات الحرة النزيهة التنافسية، والشعوب محرومة قسراً من الحقوق الطبيعية في الاختيار، وهي قادرة على ممارستها بنجاح ومسؤولية، وهي مؤهلة لذلك عكس ما تدعي الديكتاتوريات بأن الشعوب غير جاهزة للديمقراطية الواعية، هذه أكاذيب مصطنعة لتكريس الحكم المطلق، وتثبيت قواعد السلطويات، وقمع أشواق الإصلاح الجذري.

تونس تقدم الدليل المكتمل على أن العربي مثل الأوروبي والأمريكي، ومثل المواطن في كل بلد ديمقراطي بمختلف أنحاء العالم في الوعي والإدراك بما يريده، ومعرفة أن مصالحه تتجسد في الحريات والحقوق والعدالة، وأن وصول الحاكم للقصر يجب أن يتم عبر آلية الصندوق فقط، ونهج التداول السلمي للسلطة.

عندما توفي الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي حدث انتقال سلس للسلطة دون توترات، وهذا كاشف عن الوعي الشعبي والنخبوي في هذا البلد، وتأكيد لنزاهة العقل الرسمي غير الطامع في احتكار السلطة، وخاصة الجيش، وازداد هذا التأكيد مع تسريع موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية للخروج من حالة الحكم المؤقتة إلى حالة الثبات واختيار الشعب للهياكل السياسية لتطوير وتمتين الديمقراطية الناشئة، وهذا الذي يحدث يجعل تونس لا تقل عن أي بلد في الغرب الديمقراطي في التحضر والاستقرار السياسي.

والانتخابات الرئاسية المقررة في 15 سبتمبر المقبل تسير بوتيرة صحيحة وآمنة، وتُتاح فيها الفرصة لجميع المترشحين من مختلف الأطياف السياسية للتنافس في أجواء من الحرية والحياد من جانب أجهزة الدولة، وهي لن تقل ديمقراطية عن انتخابات 2014، وعن انتخابات المجلس الوطني التأسيسي بعد ثورة الياسمين في 2011 والذي أفرز رئيساً مؤقتاً وحكومة كما وضع الدستور الدائم.

ثماني سنوات من الأداء الديمقراطي في تونس منذ إسقاط حكم بن علي الاستبدادي، يتغير خلالها رؤساء وحكومات ونواب ومسؤولين دون مشاكل، كما تتقدم تونس في مؤشر الديمقراطية العالمي رغم معاناتها الاقتصادية والاجتماعية التي ستجد حلاً طالما البيئة السياسية منفتحة وحرة.

يقودنا ذلك إلى تجربة مصر ما بين إسقاط مبارك وحتى عزل محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، فقد شهدت البلاد خلال أقل من عامين ونصف العام استفتاءات وانتخابات مشهود لها بالحرية والنزاهة والتعبير عن توجهات الناخبين في هذه المرحلة ومما لم يحدث مثلها من قبل.

مصر كانت تؤسس لتجربتها في الديمقراطية الناشئة لكن لم تُتح الفرصة لاستكمالها وتثبيت أركانها، ولو كانت تجاوزت أزمة عزل الرئيس الراحل بمواصلة المسار الديمقراطي دون توقف، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة مفتوحة للجميع دون عزل أو إقصاء لأي تيار، لكان ذلك تأكيد لصدق النوايا بشأن استمرارية نهج ثورة يناير في الحكم الديمقراطي، والتداول السلمي للسلطة، واستكمال قواعد تشييد مصر الجديدة.

تونس تظل وسط بلدان الثورات هي الأمل في إثبات أن الشعوب العربية تؤمن بثقافة التغيير والديمقراطية والتحديث، وأن نظام المستبد الجاثم فوق الصدور في الخريطة العربية منذ التحرر من الاستعمار الأجنبي ليس مرغوباً شعبياً، ولن يكون، لكن ما يحدث هو إخضاع لهذا النظام عبر امتلاكه أدوات القوة والقمع.

ومن تجربة مصر غير المكتملة، وتجربة تونس المضيئة، ومن نضال شعبي الجزائر والسودان، ومن أشواق الشعوب الأخرى في سوريا واليمن وليبيا، يتأكد أن الشعوب تتلهف على تحررها وفرض إرادتها، وأنها مثل مختلف الأمم في نزوعها نحو الديمقراطية، ونبذ الطغيان.

خضوع الشعوب للمستبد ليس قدراً نهائياً لها، ولا استسلاماً أبدياً منها، ولا تغييراً بيولوجياً في تركيبتها، إنما هو إجبار بقوة قهرية على التسليم المؤقت لإرادة المستبد، وهو يترنح فور أن تتوفر اللحظة التاريخية عندما يمعن في إهانة شعبه واستعلائه عليه.

طالما الحياة مستمرة، والأمة العربية حية، وهناك أجيال تتوالد، والوعي يتراكم فإن العربي الجديد الذي وُلد في 2011 لن يموت أو ييأس أو يتمكن الإحباط منه فلن يتوقف عن المطالبة بحريته واحترام إرادته والتطلع إلى تغيير أوضاعه في حياة أفضل.

العربي الجديد هو الأمل في بعث أمة تستحق المكانة اللائقة بها وسط أمم العالم الحرة.

 

كاتب وصحفي مصري

tmyal66@hotmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .