دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأحد 25/8/2019 م , الساعة 4:10 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

عندما تحيا القلوب

عندما تحيا القلوب
بقلم - ماجد جريشه:

ظلت كتابات الفلاسفة والأدباء وأحلامهم تتغنى بالمدينة الفاضلة، وينسجوا لها في مخيلاتهم أشكالا وأنماطا، في السلوك والمعاملات والتكافل والتعاون والإخاء.

خطوا الكثير من الصفحات لوصف هذه المدينة وأهلها، وظنوا أنهم بالغوا في أحلامهم، معتقدين أنها من درب الخيال.

لكنها حقيقة أقامها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فجعل من جيل الصحابة واقعا ونموذجاً حياً، فأحيا في نفوسهم قيم الفضيلة والرحمة والتجرد، فانطلقوا بأخلاقهم راسمين بهذه المبادئ المدينة الفاضلة.

مدينة يقف فيها الجاني معترفا بذنبه لا يهاب العقاب، بل يرجوا المغفرة والصفح، مجتمع يتصدق أفراده بأطيب ما يملكون بل يتصدق بعضهم بكل ماله دعما وتكافلا، يشتري التاجر منهم عين ماء في عام قحط لا ليتاجر ويتربح بل ليتصدق بها على أفراد مجتمعه، أي تكافل هذا الذي ينسى فيه التاجر ماله وربحه، فيتهافت التُجار على بضائعِه -في عام جدب- فيقولون نزيدك الدرهم درهمين فيرفض، فيقولون ثلاثة، فيرد: زادني الله عشر ويجعلها صدقة في مجتمعه.

مجتمع يقف فيه الحاكم قائلا: (الضعيفُ فيكم قويٌّ عندي حتى أرجعَ إليه حقَّه إن شاء اللّه، والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء اللّه) لا محاباة، ولا مراكز قوى تتكسر على اعتابها حقوق الضعفاء والعامة، كيف تعلموا كل هذا وكيف هانت عليهم الدنيا؟

أحيا عليه الصلاة والسلام قلوبهم بالقرآن، فأقاموا بهذه القلوب الطاهرة مدينتهم، وقَومُوا بهذا المنهج من حولهم.

تَعَلموا القرآن وعلموه وانطلقوا به وتأدبوا بآداب سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ)

تعلموا وأْد الفتنة قبل ولادتها وإغلاق الباب في وجه كل حاقد والتثبت قبل الاندفاع، فتعلموا الحق ونشروه، فيقول أحدهم لولده: (إياك والشائعة ولا تصدق كل ما يقال ولا نصف ما تبصر).

وترتقي نفوسهم مع السورة فهما وعملا: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) فالفصل بين المختصمين هدف، وسيلته العدل، لا المحاباة، وعلى من يتصدى للفصل أن يتقي الله في ما هو قادم عليه من عمل (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

تعلوا همتهم مع المنهج حتى يُخَلصوهم من أمراض قلوبهم (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) لا سخريه ولا استهزاء ولا تفاضل في المال والولد والسلطان، (وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ) طهارة لقلوبهم ولأقوالهم.

بل يقطع على الشيطان وساوسه في هذه القلوب الطاهرة (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) فلا تمتد حبائل اللعين وتتشعب في قلوبهم، فالظن السيء يُمرض القلوب ويدفعها إلى التجسس حتى يأمن هاجس ما يظن، وهنا تنبت الأحقاد (وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ).

ما أجمل هذه الأخلاق وما أعظم هذا المنهج الذي كرم هؤلاء ورفع قدرهم فتوحدوا وفازوا وسادوا الدنيا ودانت لهم الشعوب والمجتمعات طوعا ورضاً، وفتحوا المشرق والمغرب بهذه الأخلاق التي طبقوها، فَسَمِعَ العالم بهم وبأخلاقهم وبنُبل ما يحملون، فكانت لهم المهابة والعزة في قلوب عدوهم، عزة صاحب القيم النقية والنفس الطاهرة والهمة العالية التي لا تكبلها مصلحة ولا تقودها شهوه ولا يدفعها مطمع أو هوى.

وعندما تَخَلا الأحفاد عن منهجهم تقطعت أواصر القُرب، وصار الأخ عدوا يُحَارب ويحاصر ويُجَوّع، فقادهم عدوهم بنوازع أطماعهم وبث فيهم أحقاد الفرقة ونار الحسد وسوء الظن، فأنابهم عنه في تمزيق أجسادهم وأوطانهم، فتمزقت المدينة الفاضلة وتقطعت بالظلم أواصرها (فهل من مدكر).

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .