دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 27/8/2019 م , الساعة 5:46 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

طور جديد لتحديات الثورة السودانية

طور جديد لتحديات الثورة السودانية

بقلم : د. خالد التيجاني النور(كاتب وصحفي سوداني) ..

لا تزال الثورة الشعبية السودانية الثالثة، والأجيال الجديدة التي فجّرتها تواصل نضالها لتحقيق أهدافها في طلب الحرية والعدالة والسلام وتأسيس نظام سياسي سوداني جديد في قطيعة تامة مع إرث الاستبداد والطغيان والتخلّف والتهميش والحروب الأهلية المستدامة التي أقعدت البلاد طوال سنوات الاستقلال التي تجاوزت ستة عقود وسط تخبط الأنظمة التي تعاقبت على الحكم، وتحمّلت بأقدار مختلفة من المسؤولية، تناسل العجز والفشل في ظل غياب مشروع وطني جامع تقاصرت عن بلوغه النخب السياسية المعطوبة التي استبدلت الاستعمار بسلطة وطنية لم تستطع الخروج من شرنقته، فقد غاب رسماً، وبقيت حاضرة معطياته التي صنعت من الدولة الحديثة وسيلة لتعزيز سلطانها، وخدمة أجندة وامتيازات النخب الحاكمة على حساب الشعب.

كانت المراسم التي جرت في الخرطوم في وقت سابق من هذا الأسبوع، وسط حضور دولي وإقليمي، للتوقيع على وثيقتي الإعلان السياسي والدستوري الحاكم لترتيبات وهياكل الفترة الانتقالية الخامسة في تاريخ السودان خلال العقود السبعة الماضية، أكثر من مجرد مناسبة لإظهار الفرح والابتهاج بالتوصل أخيراً بعد مخاض عسير عبر محادثات شاقة متقلبة في ظل ظروف بالغة التعقيد بين العسكريين والمدنيين إلى معادلة لإدارة المرحلة الانتقالية المقبلة في السنوات الثلاث المقبلة، لم تكن هذه المعادلة هي الأمثل التي تحقق تطلعات الثوار وهم يقدمون تضحيات غالية لا تقدر بثمن بالأنفس والأرواح ليس فقط من أجل إنجاح الحراك الشعبي، بل لضمان أن تثمر هذه التضحيات بوضع السودان على الطريق الصحيح لتحقيق تحوّلات عميقة تعالج جذور الأزمة الوطنية، ولا تكتفي بمخاطبة مظاهرها.

كما أنها لم تكن حتى المعادلة الأفضل لو كانت الأجندة الوطنية وحدها هي التي كانت حكم مسار التفاوض، وقد تداخلت طموحات ذاتية غير مشروعة لم تضع بالاً لتضحيات الأجيال الشابة من الجنسين مع أجندة أجنبية لأطراف إقليمية ودولية لتقطع الطريق عليها، جاء الاتفاق كمعادلة فرضها الأمر الواقع ثمرة توازن القوى الراهن بين القوى العسكرية التي ظلت دائماً على الجانب الخاسر من التاريخ وقد فشلت الأنظمة الحاكمة باسمها تسيطر على السلطة لأكثر من نصف قرن منذ استقلال السودان دون أن تحقق إنجازاً وطنياً كفيلاً بإخراجه من ربقة الحروب والفقر والتهميش.

ومع ذلك لا تزال تعمل على فرض وجودها في المعادلة السياسية باستخدام قوتها المسلحة دون عظة من سقوط آخر تجليات الأنظمة العسكرية، وبين القوى المدنية التي اختلطت تركيبتها بين قوى سياسية معارضة للنظام السابق لا تزال فاعلة بحكم التجربة المتراكمة، وبفضل تضحياتها بعضها ضد السلطة البائدة، ولكنها مع ذلك لم تتطور في ممارساتها خارج إطار ذهنية النظام السياسي السوداني القديم السائد منذ تشكّل الحركة الوطنية منتصف أربعينيات القرن الماضي، وبين قوى جديدة ناهضة من الأجيال الشابة بعضها منظّم وأغلبها خارج الأطر التنظيمية تبحث عن مقاربة جديدة لمعالجة جذور الأزمة الوطنية بآفاق مختلفة.

وفي ظل هذه الخلفيات المعقدة فإن الاتفاق الذي تم التوصل إليه ينحى لأن يكون أقرب تعبيرا عن مفاهيم وممارسات النظام السياسي السوداني القديم القائم على صراع النخب على الامتيازات والمكاسب، والذي شكّل نظام المخلوع أبلغ تجلياته، بجعل المحاصصات الحزبية والجهوية القبلية على حساب معايير الكفاءة والتميز، وهو دلالة كافية على أن روح الثورة لم تحل حتى الآن على مجريات المشهد السوداني، فالذهنية القديمة لا تزال تسيطر على ممارسات الجانبين العسكري والمدني الحزبي على حد سواء، فيما لا يزال الغائب الأبرز هو أجندة التغيير الحقيقية التي سعى إليها الحراك الشبابي الثوري الذي أحسن الظن بالمنظومة السياسية القديمة فأوكل لها التفويض بتمثيله في محادثات الانتقال، ليكتشف متأخراً أن آفاق المستقبل التي تطلع إليها بعيدة عما يجري في أرض الواقع.

ولعل أول اختبار لصحة هذا التحليل المصاعب التي تواجهها الآن قوى الحرية والتغيير، التي تسيطر على قياداتها الأحزاب التاريخية التقليدية، في الالتزام بالجدول الزمني المتفق عليه مع المجلس العسكري للبدء في تشكيل هياكل السلطة الانتقالية بتواريخ محددة سلفاً فشلت في الالتزام بها حين اصطدمت بعقبة تشكيل مجلس السيادة المشترك بين المدنيين والعسكريين، على خلفية الاحتجاجات الواسعة التي حركتها القواعد الثورية الشبابية اعتراضاً على مفارقة قيادة قوى التغيير لمعايير الكفاءة والاستقلالية في اختيار ممثلي المدنيين في المجلس السيادي، حيث جاءت تعبيراً عن محاصصات جهوية وحزبية وقبلية أثارت امتعاضاً وانتقادات واسعة مما اضطرها إلى سحب هذه الترشيحات وطلب تعليق جدول تأسيس هياكل السلطة الانتقالية ريثما يتم الوصول إلى اتفاق بشأن مرشحين جدد.

يعكس هذا العجز حالة الفراغ القيادي التي تعاني منه البلاد بفشل بيّن في إدارة حكيمة للشأن العام قادراً على استلهام معاني الثورة السودانية الثالثة وتطلعاتها عند الجيل الجديد، والتعبير الحقيقي عن مطالبها، كما يثبت من جانب آخر أن القوى الثورية الشبابية لا تزال تمتلك القدرة على التدخل لمنع تمرير أجندة لا تعبر عن متطلبات التغيير الحقيقي، وهي ما يشي من جهة أخرى إلى أن الثورة التي لا تزال نضالاتها تتواصل وتدخل طوراً جديداً تهدف إلى أبعد من إسقاط نظام الحكم السابق، إلى إسقاط ذهنية المنظومة السياسية السودانية القديمة بكل تجلياتها، وهذه معركة وعي عميقة ستطول حتى تحقق أهدافها.

          khalidtigani@gmail.com     

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .