دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 29/8/2019 م , الساعة 3:57 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أنقذوا سليمان الحكيم

أنقذوا سليمان الحكيم

بقلم / سامي كمال الدين - إعلامي مصري :

وكأنه يجب أن تتكالب الأمراض على عزيز لديك حتى تتذكر الكتابة عنه أو توفيه حقه، أو تستعيد ما بينكما.

مثل أي صحفي كنت أقرأ للكاتب الكبير الأستاذ سليمان الحكيم، فقد كان وعبد الحليم قنديل وعبد الله السناوي وعدد من الزملاء يمثلون كتيبة «العربي» جريدة الحزب الناصري، التي كانت «الكاتيوشا» المواجهة لنظام مبارك.. يكتبون بشراسة ضد مبارك ونجليه علاء وجمال وسوزان مبارك، وقت أن كانت الأقلام خائفة مرتجفة، وكانت الحرية غالية الثمن، بل لا يستطيع أحد دفع ثمنها إلا المعتقلون في السجون أو كتّاب مثل هؤلاء.

في العام 2001 تخرجت في الجامعة، والتحقت بالعمل في مجلة نصف الدنيا التي تصدر عن مؤسسة الأهرام، وعلمتني الأستاذة سناء البيسي -رئيس التحرير- الكثير من قوالب الكتابة الصحفية، ودعمتني وأعطتني مساحة من الأوراق على صفحات المجلة.

فأبحرت في بلاط صاحبة الجلالة رحلة بلا عودة.

حين دخلت إليها أتأبط أرشيفي الصحفي، وفيه عشرات التحقيقات والحوارات الصحفية التي قمت بها أثناء دراستي الجامعية، وكتابين من تأليفي، طالبا منها منحي فرصة التدرب في المجلة.. قالت ضاحكة: « تدريب ايه على الشغل اللي انت عامله ده.. ده احنا نجيبك تِدرَب».

حددت لي موعد اجتماع معها بعد أسبوع لتقديم أفكار تصلح للمجلة، فقدمت لها 16 فكرة أخذتها جميعا.. وبدعمها الأمومي والإنساني والمهني استطعت النجاح والالتحاق بعضوية نقابة الصحفيين بعد عام من تعييني في مؤسسة الأهرام، وفي عام 2003 حصلت على الجائزة الأولى من نقابة الصحفيين، وأثناء التحضير لحفل النقابة عام 2004، صعدت إلى مطعم النقابة في الدور الثامن، وأعجبت بعيني فتاة تجلس وحيدة، كان يبدو على ملامحها أنها ما زالت في الجامعة، وكنت أود التعرف عليها لكني في عجلة من أمري، فلقد هاتفني صحفي لبناني وقال لي: أنا عماد العبد الله مدير مجلة الدوحة، نعيد إصدارها من جديد، وتم ترشيحك لتكون مراسلنا ومدير مكتبنا من القاهرة، من بين عدة مرشحين، وقد اطلعنا على بعض أعمالك ونود عقد اجتماع معك.. قلت له: ومن الذي رشحني؟

أجابني: أنا ورجاء النقاش وبلال فضل.

عيناها جعلاني أتاخر عن اجتماعي ساعة كاملة، فقد لاحظ ذلك شخص لم التقه من قبل كان يجلس مع الأستاذ سليم عزوز.

ترك سليم وقدم نحوي يعرفني بنفسه: أنا سليمان الحكيم.

أهلا أستاذ سليمان.. ومن لا يعرفك، عرفته بنفسي، فسألني إن كنت الشخص الحاصل على جائزة النقابة هذا العام؟

قلت له: نعم.. لكني لم أكن معه، كنت مع عينيها.

قال لي يبدو أنك معجب بهذه الفتاة، وأكمل ساخرًا مني: هل تحب أن أعرفك عليها؟

بدأت أحس أن شيئا ما غير منضبط في المسألة..

وجدتها تنظر إليه وهي تقول له: اتأخرت ليه يا بابا

لم يكن أمامي خيار سوى للخلف در وصعود الأسانسير دون النظر ورائي والخجل يسكنني.

جئت برقم هاتفه، اتصلت أعتذر وأطلب لقاء، فقد سيطرت إسراء على قلبي وعقلي منذ نظرتها تلك.

تبقى لها في الجامعة عامين، وبعدهما تزوجنا، وما زلت كأني معها في حلم.

اقتربت من الكاتب الكبير سليمان الحكيم الذي يهاتفه كمال الشاذلي يطلب منه أن «يخف» شوية، والذي يسأل عنه وزير الدفاع السوري العماد مصطفى طلاس، والمتزوج من دبلوماسية سورية، تركت الشام وعملها وعادت معه إلى مصر، فوجدت حياته حزينة، فهو مطارد بسبب كلماته، ممنوع بسبب مقالاته. وقد تركته ورحلت منذ عامين رحمها الله.

خرج من مصر إلى سوريا بعد أن اتهمه نظام أنور السادات بالتخطيط لانقلاب نظام الحكم لأنه هاجم كامب ديفيد، وكاد أن يصاب بالجنون حين قابل صحفيًا إسرائيليًا وجده في مجلة أكتوبر التي كان سكرتير تحريرها مع أنيس منصور رئيس التحرير، وراح يجري خلفه بالحذاء..!

ثم عمل مستشارًا إعلاميًا للفريق سعد الدين الشاذلي، وشارك معه في تأسيس إذاعة معارضة كانت تبث من خارج مصر تنتقد السادات ونظامه.

عانى المعتقلات والتعذيب، وهو الذي ما زالت في قدمه أثار رصاصة من الصهاينة أثناء مشاركته الحروب ضدهم في الجيش المصري.

كان سليمان الحكيم وقتها يتقاضى راتبًا يوازي راتب رئيس وزراء مصر، وترك كل شيء لمعارضته لاتفاقية كامب ديفيد.

ولما عاد كان بإمكانه الصمت على نظام مبارك والتوقف عن كتابة المقالات، لكنه فعل الأكثر من ذلك، كان من أوائل الذين شاركوا في تأسيس حركة كفاية، ومعه ابنته إسراء التي عملت صحفية وهي طالبة في قسم الصحافة في الجامعة، ولما فتحت لها سناء البيسي الباب كما تفعل مع أي موهبة، قدم تقرير للأهرام بأنها ابنة سليمان الحكيم.. وكأن مصر أصبحت فيها تهمة اسمها سليمان الحكيم، ولقد حاولت الأستاذة سناء البيسي بعد إلحاح مني على التوسط لرفع هذا التقرير وبأنه لا يصح أن تتحمل ذنب أبيها، وبالفعل عادت إسراء الحكيم إلى نصف الدنيا، بل وحصلت على الجائزة الأولى من نقابة الصحفين عن كتاب لها ملحق مع مجلة نصف الدنيا.

اقتربت من سليمان الحكيم كثيرًا، تعاركنا، تخاصمنا بسبب الأحداث السياسية في مصر، كنت ضد الإخوان، وفوجئت به يعطي صوته للدكتور محمد مرسي في الانتخابات الرئاسية، ثم أصبح من أكثر ناقديه بعد ذلك، وأصبحت أنا من المدافعين عنه بعد 2013.

ورغم كل شيء أحببته كثيرًا في حضوره وصدقه مع نفسه، وخوفه على مصر، قمت بعشرات المقالب الثقيلة معه، لكنه تحملني.. تعلمت منه الكثير من فنون الحياة، وعرفت منه الصلابة في الموقف، والجسارة في الرأي والقوة في الطرح.. وسعدت كثيرًا بموقفه السياسي الأخير الذي يدفع ثمنه الآن من صحته وحريته، حاصروه، منعوه من الكتابة في أي صحيفة، أوقفوا مقاله في المصري اليوم، هدموا بيته لأنه ظهر على الشرق ومكملين وعارض نظام السيسي، ارتكن الرجل على ألمه، فأصيب باكتئاب ثم توالت الأمراض عليه، وبدأت مشارط الأطباء تغزو جسده، وأصبح يذهب كل أسبوع للمستشفى لنقل دم إلى جسده المريض، في مرحلة الفشل الكلوي، فأنقذوه بفتح أبواب الكتابة له، فهي ماء حياة الصحفي.

يدفع سليمان الحكيم وهو في الثانية والسبعين من عمره ثمن عدم صمته على نظام السيسي، السيسي الذي أشاد ذات يوم بمقالات سليمان الحكيم في خطاب له، حين لم يكن الحكيم حكيمًا، ولما عاد الحكيم إلى رشده واكتشف جريمة السيسي في حق مصر لم يصمت قلمه عبر صفحته على الفيس بوك ولم يخرس صوته، فقرر السيسي ونظامه قتله بمرض الصمت، منعوه من الكتابة، منعوه من الظهور في الفضائيات، لكنهم لم يستطيعوا أن يمنعوه من حب مصر.

@samykamaleldeen

 

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .