دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 29/8/2019 م , الساعة 3:57 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

عقلية جديدة لا تحكمها مبادئ ولاقيم

عقلية جديدة لا تحكمها مبادئ ولاقيم

بقلم / د. علي محمد فخرو - كاتب ومفكر بحريني :

حاولت عبر السنوات القليلة الماضية فهم أسس وتركيبة ومنهجيةَ عقليّةِ بعض المسؤولين والكتّاب والإعلاميين في بعض بلدان الخليج العربي، وذلك من خلال محاولة فهم تصريحاتهم وكتاباتهم ورسائلهم التي يرسلونها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ولأنّ عقلية الإنسان محكومة بمبادئ من مثل العدالة والمساواة والحرية، وبقيم من مثل الموضوعية العلمية في النظر للأمور، والتعاضد الإنساني في النظر لرزايا ومآسي الآخرين والالتزام بثوابت تهمُّ الأمة، فقد حرصت على أن أفتّش عن نوع المبادئ والقيم التي تضبط تصريحات وكتابات ورسائل ذلك النّفر من مسؤولي ومثقّفي الخليج العربي.

لقد تبيّن لي أن المبادئ والقيم التي تحكم عقلية هؤلاء غير إنسانية، وغير أخلاقية، وغير موضوعية، ولاتحترم ثوابت هذه الأمة. وبالتالي فإن مايقود عقلية هؤلاء لاصلة له بالمبادئ والقيم، وإنما هو خليط من ممارسة النفعية الوصولية الزبونية المادية والانتهازية السياسية– الاجتماعية في عبثية التسلّق والظهور الإعلامي المؤقت الرخيص أو التفاخر بالاستقلالية الذاتية الرافضة للالتزام بمصالح وحقوق غيرها.

لنأخذ مثالًا الموضوعَ الفلسطيني، مأساة الغياب التام لأية مبادئ أو قيم قومية أوتضامنية، أو إنسانية أو أخلاقية تظهر في أقوال وكتابات وتصرفات لأفراد من تلك الجماعة، أشار إلى بعضها الكاتب الإماراتي العروبي المرحوم حبيب الصايغ في مقال نشرته جريدة الخليج الإماراتية منذ بضعة أيام.

لقد أشار بالاسم إلى العديد من الإعلاميين الخليجيين الذين زاروا الكيان الصهيوني بترتيب ومباركة من قبل السلطات الصهيونية في تل أبيب، وإلى الإعلاميين الذين قبلوا إجراء مقابلات مع القنوات التلفزيونية الصهيونية وإعلان بعضهم بأن لا مشكلة سياسية لنا مع الكيان الصهيوني الاستيطاني. وفي كل يوم تتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبارات الإعجاب بجيش الاحتلال الصهيوني، وكلمات التغزّل والحب لذلك الكيان وصرخات الكراهية والاحتقار السّمج للشعب العربي الفلسطيني.

القائمة طويلة وعبقرية التفنّن في انتقاء الكلمات البذيئة بحقّ الإخوة الفلسطينيين لا حدود لها.

نحن إذن أمام عقلية لاتلتزم بمبدأ العدالة عندما تقبل بأن يأتي برابرة أغراب ويحتلوا أرضاً سكنها أناس عبر آلاف السنين، ويُخرجوا أولئك البشر، قسراً وعنوة، إلى المنافي والملاجئ، ويبقوا الذين لم يتركوا أرضهم في سجن كبير يمارس فيه القمع والإذلال والتجويع، ويعتمدوا في كل ذلك على قوة استعمارية أمريكية تسخّر كل إمكانياتها المالية والسياسية والعسكرية لتجويع وإذلال وقهر الملايين من الفلسطينيين.

نحن أمام عقلية لاتلتزم حتى بقيمة الأخوة الإنسانية والوقوف مع المظلوم في وجه الظالم.

نحن أمام عقلية لاتحكمها حتى التزامات العروبة التضامنية ولا حتى الرفض السّاكت غير المعلن لاحتلال جزء من الوطن العربي الكبير. نعم، هذه مجموعة صغيرة جداً سينبذها المجتمع إن عاجلاً أو آجلاً، وسيرفض أن تنتقل عدوى عقليتها المريضة إليه. لكن الطامة الكبرى في أن يقرأ الإنسان مقابلة مع كاتب أمريكي متخصّص في الشأن العربي – الصهيوني، المؤلف نورمان فنكلستاين، بشأن مايسمّى «صفقةَ القرن» يوجًّه السائل إلى المؤلف السؤال التالي: ترى من يستفيد من هذا المشروع المليء بألف علّة سياسية وفضائح مبدئية أخلاقية ظالمة؟ أهي أمريكا أم «إسرائيل» ؟ يصفعك الجواب من شخص كتب عن الموضوع كثيراً من المقالات والكتب، وبالتالي بالغ الاطّلاع «لا أمريكا ولاإسرائيل»، بل إنها جهة خليجية تسعى لقيام حلف صهيوني – أمريكي – عربي.

لايهمنا إن كانت الإجابة صحيحة أم خاطئة، فكونها تذكر بهذه الصورة المباشرة المفجعة يجعلنا نشعر بأننا ماعدنا هنا أمام عقلية أفراد. إننا إمام عقلية سياسية لاتحكمها مبادئ ولاقيم ولا التزامات قومية، إن صحّ ماقاله المؤلف.

لقد كتبت من قبل وتحدّثت عن الظاهرة الخليجية في تعاملها مع امتدادها العربي بخفّة وسوء تقدير. لكن، شيئاً فشيئاً، يتّسع الفتق لنجد أنفسنا أمام فوضى عقلية سياسية بامتياز.

لنأخذ، كمثال ثان، تعامل بعض المثقفين الخليجيين مع موضوع محاولات العودة لتجزئة القطر اليمني إلى دولتين أو أكثر.

لقد قرأنا كتابات واستمعنا إلى أحاديث ترى أن تاريخ اليمن الحديث وتكويناته القبلية والمذهبية تجعل من محاولات الانفصال والتجزئة أمراً معقولاً من أجل استقرار اليمن في المستقبل.

لايمكن للإنسان أن يرى في تلك الكتابات والأحاديث فقط عرضاً لوجهات نظر.

مرة أخرى، نحن أمام نفس العقلية التي تتعامل مع مأساة عربية في اليمن بعقلية ترفض أن يحكمها مبدأ ضرورة الوحدة العربية في وجه الأطماع والمخاطر الهائلة التي تتعرّض لها الأمة العربية في الجحيم الذي يعيشه حالياً الوطن العربي كلّه.

وبدلاً من تقديم المقترحات لتغيير مسار النمط السياسي الاستبدادي اليمني السابق، والذي قاد إلى رغبة البعض في الانفصال، ينصّب هذا البعض نفسه داعياً لمسار تجزيئي سيقود إلى ضعف وتشرذم واستباحة اليمن في المستقبل، ليضاف اليمن إلى ما حلّ بالسودان وفلسطين وإلى مايراد أن يحل بسوريا والعراق وليبيا، وبعده ماسيحل بالآخرين النائمين حالياً في الخدر والكذب على النّفس.

مرة أخرى تطلّ العقلية الجديدة برأسها بعد أن تخلّت عن المبادئ والقيم والآمال القومية.

كتبت هذا المقال، وأنا مدرك لحساسيته لدى البعض، بروح المحب لوطنه، المشفق على أمته، العاتب على ذلك النّفر، ومنهم الأصدقاء والمعارف،لانخراطهم في أقوال وأفعال لا تقرّها أخوّة ولاتقبلها مبادئ أو قيم.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .